"وتقوم مدن الملح، ترتفع وتكبر، ولكن إذا جاءها الماء، فش ولا كأنها كانت! "
انتهت رحلتي في مدن الملح، الرحلة التي عشت فيها حياة أخرى، تهت في "التيه"، وقعت في الأخدود وابتلعني، في "المنبت" أصابتني الحيرة، غصت في أعماق الصحراء في "تقاسيم الليل والنهار"، اشتممت رائحة الموتى في السجون وسرت على أنقاض الجثث في "بادية الظلمات".
هذه الخماسية العظيمة التي كتبها منيف في الثمانينات بعد أن خسر جنسيته السعوديةسنة 1963، شكلت شاهدا على حقبة تاريخية ورصدا للتحولات التي مرت بها الدول النفطية، جعلتنا ندرك حجم التغير الذي شهده المجتمع الخليجي باكتشاف النفط والبدء في إنتاجه، والتيه الحقيقي الذي عاشه بين قيمه البدوية الأصيلة وقيم التوحش المدني التي جعلته في صورة غاية في الارتباك.
الكلمات والتعابير تعجز عن وصف هذه الرواية العظيمة وكتابتها بدقة تضاهي حجم الدهشة المُصاحبة لي في كل مرة اقرأ منها شيئًا، حتى أنه يصعب جدا أن يكتب المرء لها مراجعة سريعة فالخماسية أكثر من 2000 صفحة، أكثر من 200 شخصية، متخمة بالأحداث، متعددة الأمكنة، مثقلة بالمشاعر.
في الجزء الأول"التيه"، والجزء الثاني "الأخدود" رصد منيف الفترة من 1933 حتى 1964، وفيهما ادهشني وصفه والصور الرمزية التي عبر من خلالها عن العنف الهائل الذي فجرّه التقدم الذي غزا البلاد مع اكتشاف النفط لدى أناس تعودوا على العيش في البيئة الصحراوية.
في "تقاسيم الليل والنهار" يعود بنا منيف إلى جذور العائلة الحاكمة و إلى سنوات التصارع القبائلي التي تتوج خربيط كأهم حاكم في المنطقة في اللحظة التي يقتحم فيها الغرب الصحراء فيجد في تحالفه مع خربيط وسيلة لامتلاك الثروة التي كان يبحث عنها ويستغل السلطان ذلك الظرف للهيمنة على كل ما يمكن أن تطاله يده ويعود هذا الجزء إلى نشأة كل من خزعل وفنر وفي هذا الجزء يسلط الضوء كله على الشخصيات والأفكار والأحاديث التي تتبادلها.
في "المنبت" وهذا الجزء هو أصغر أجزاء الرواية من حيث الحجم، وتغلب فيه مشاعر الحزن و الآسى، لأنه زاخر بالصدمات، يحكي فيه عن السلطان خزعل بعد سفره إلى ألمانيا ونفيه هناك وإنقلاب أخيه عليه.
ضعيف مريض منبوذ منفي، ويصف فيه الغربة وتفاصيلها الموجعة.
في الجزء الأخير "بادية الظلمات" ركز منيف على شخصية فنر الأمير الصامت الذي تربى على يد هاملتون العميل الانجليزي، وقد أظهر مدى الظلم الذي تعرض له الشعب ومدى الفساد والنهب الذي يحصل في السلطنة.
أنهى منيف ملحمته على مشهد اغتيال فنر.
في الجزء الأول بقى طيف متعب الهذال يطوقني وانتظر عودته في كل جزء من الخماسية.
شدتني كثيرا شخصية الشيخة زهوة وعلاقة فنر بهاملتون علاقة تستحق الدراسة والتعمق.
انبهرت جدا بقدرة منيف على وصف الماضي والحاضر والمستقبل، وكثيرا ما وقفت مندهشة أمام وصفه لتصرفات تلك الشعوب وأفكارهم وتعاملاتهم، كأنه يعبر عنا ويصف مجتمعنا !
وآخيرا ستظل مدن الملح من أجمل ما قرأت على الإطلاق بل هذه الخماسية المذهلة جعلت منيف في نظري أعظم روائي عربي.
ما زلت سأقرأ لك يا منيف وما زلت سأنبهر أكثر !
#مراجعة_رواية_عربية
#مدن_الملح
#عبد_الرحمان_منيف