وحين يضيق بنا العالمُ بكلّ ما فيه , تبقى الكتابةُ هي المُتنفسُ.

وحين يضيق بنا العالمُ بكلّ ما فيه , تبقى الكتابةُ هي المُتنفسُ.

vendredi 28 décembre 2018

الحياة شعور والعمر تجارب




لا تُقاسُ الحياةُ بِالعُمْرِ بل بالتَّجارِبِ، برجْفةِ القَلبِ وبنشوةِ الشُّعورِ، بتعثُّر المسِير وبهجةِ الوصُول، بالسُّرورِ بعد الغُصَّةِ وبالفرجِ بعد الغُمّة، بانفتاحِ عقلك وبانحسارِ مناطق الظُّلمة في ثَناياه، بصرخةٍ تُعبرُ بها عن الفَرحة وبلحظةٍ تَعيشُها كأنها آخرُ لحظاتِ العُمر، بخفقة تحرّرت من قيّد القلبِ في لحظة تمرّدِ العاطفةِ وبهسهسةِ الرّوح العاشقةِ في لحظة فورانٍ، بالأشياءِ الَّتي كَابَدْتَ حتّى تَنتهي كما تُريد وبالنّهاياتُ النّاقصةُ الَّتي لَا تُريدُ، بالنُّدُوبِ الّتي لا تخشى لَمسها وَبالهزيمة الّتي لَم تختبئ منها إلى أن مَضت، بالغرقِ وبالتّخبُّطِ وبِمُحاولات النّجَاة.
إنّ الحياة الحقيقة هي الحياةُ الّتي تَزخَرُ بغِنى الشّعورِ، بالأفعالِ البسيطةِ المُبهجةِ وَبالكَلماتِ الصّغيرةِ المليئةِ بالمعاني، بالتّحدِّياتِ المُنهكةِ وبصِراعاتِ الاستمرارِ، أنت لَم تُخلق لتركُضَ فِي دُروبها آمِنًا ثُمّ أنّك لم تَأتي إِليها لتقبعَ في مكانٍ واحِدٍ، لِتعيشَها ساكنةً على وتِيرةٍ واحدَةٍ!

عند الغسق



كُلَّمَا قُلْتُ الآنَ وصلتُ، تَعُودُ لِنُقطةِ الصَّفرِ.
لِنُقطةِ البدَايةِ. 
كُلّما تَعرَّفتَ عَلى مَعَالِمِ الدَّربِ وَحَفظتُ تَفاصِيل الطّرِيقِ، نَأْتِ بِكَ إِلى السَّرابِ وَأَدركْتَ كَم أَنت جَاهلٌ وَالحَيَاةُ من حَولك أعمَقُ مِمَّا يُؤمِنُ به عَقَلك وأعظمَ مِمَّا تبصرهُ عينُ قَلبكَ. 
تَفْقِدُ البوُصلة وَتتشَوَّشُ بَصِيرتُكَ ويتوقّفُ الوَقتُ، تَتَوارى الأَسئلةُ أَمامك وَتَضيعُ فِي خَارطتِهَا، تُلَمْلِمُ شَتَاتَ رُوحك وَتجمعُ هِمَّة القَلب قبل هَمِّه. 
وتعَودُ...

تَعُودُ لِنُقطةِ الصّفرِ، تَعود لِتُدركَ أنّ صُعوبةَ الحياةِ في آلتَيهِ، فِي قَلبٍ وَعقلٍ لَا يَحملَانِ ذاتَ البوصَلةِ، تَعودُ لِتَبحثَ عن الأَجوبةِ فِي غَيَاهِبِ المجهولِ وهشاشَة المُحتملِ حُدوثهِ.
أَتُراك تَجدُ البوصلةُ وَتنام ليلةً دونَ أَن تكتُّمَ صوتَ القلبِ وَتَأمُرُ العَقل باليقظةِ؟
أَتُراك تَصلُ وتكونُ مُمتنًّا لمشَقّةِ السَّفر وَعناء الرّحلةِ وجُهدُ القلب وتقلّباتهِ، للتعثّراتِ الّتي صَقلَت عقلك وحمَتك من سَطوةِ القالبِ الواحد وَالأسلوب الواحد، لمرافئ الأمانِ الّتي أنقذَتكَ من تَلاطُم مشاقّ الحياةِ ولانتصاراتكَ الصّغيرة غيرِ المَحسوبةِ فِي قَائمةِ الانجازاتِ الكُبرى
؟

dimanche 9 décembre 2018

تحت سطوة الانتظار




لم يحدث الكثير هذه الأيام، لا شيء يحدث وكل شيء يحدث! هنالك فقط غرفتي، ذات الخمس قطع ..المكتب وكرسيه المثقل بملابس أبت أن تعود لمكانها في الخزانة، سرير وخزانة وطاولة جانبية حاولت ترتيبها قليلا قبل هذه الصورة ! كان كوب القهوة يصطف بجانب الكثير من الكتب التي أؤجل قراءتها والدفتر الذي كلما فتحته لأكتب رفضتني صفحاته والقلم أعلن الحداد، أوراق أحاول كل ليلة البدء في قراءتها علّي أستطيع تقليب المعلومات الراكدة في أسافل هذا العقل المتخم بالاحاديث ولا يجيد سوى أرسال صيحات ذعر وفزع آخر كل ليل. رفعت الهاتف، التاريخ هو الخامس من ديسمبر! 

أنه ديسمبر..لم أكن يوما صديقة هذا الشهر ولكنني لم انتبه هذه السنة أن خمسة أيام مضت منه دون علمي! هون عليك عزيزي القارئ ...لا تستغرب عندما تكون حياتك عبارة عن أمور مؤجلة وقرارت معلقة في المنتصف وكلمات عالقة في هوة عميقة بين القلب واللسان، لا تنتبه إلى الارقام التي تتغير في خانة الأشهر.. جلّ تركيزك سيحون منصبًا نحو تلك اللحظة التي سينتهي فيها تأجيلك لما تريد وترغب. ‏كلُّ شيءٍ تُؤجله يُصبح كالحجرِ الجاثِم على صدرك، رغم أنه مُؤجل لكنّه يأخذ حيزًا من تفكيركَ، يمنعُ عنك التّنفس ولا تَستطيعُ زَحْزحتَه. لم تتوقف عملية التنفس عالأغلب ولا يجب أن تتوقف، لأن الدهشة ما زلت تزورك وتشحن وهن قلبك، كأن تبتسم لسرب عصافير يرحل بعيدا في سماء غائمة، لحظة قبضت عليها بصورة فصنعت يومك، أشياءك التي تحب عندما تكسر روتين يومك..تجعلك تنام ممتنا لعيون قلبك التي تجذبك نحو مواطن البهجة، لتتذوق لذة الدهشة وتبتهج بها روحك وتطرب، فمهما تنأى بك هموم الدنيا بعيدا تُدنيك لتمتع بآيات الجمال.  


samedi 10 novembre 2018

لقد كنا شاهدين على هذه الحياة


منْ هُنا مرُّوا، 
بخطواتٍ مُستعجلةٍ، يقذِفها الرّحيلُ ويتلقّفها الرّجوعُ.
منْ هنا مرّوا، 
تاركِين ذكرياتِهم المّنسيّة على الجُدران و الوحشةَ تعُمّ المكانَ.

من هنا مرّوا،
تاركينَ الأبوابَ تهتزّ وحدها، مُتخيّلةً وقّع خُطواتهم -عائدةً إلى مواطنها- 
من هنا مرّوا، 
تاركينَ المكان يتنهدُ، بالأحاديثِ والابتساماتِ تعجّ كلّ زواياهُ.
من هنا مرّوا،
ولما غَدوا نحو الرّحيل ما ودّعوا.
من هنا مرّوا، 
وزَالوا من هنا،
لكنهم مَا زالوا هنا بأثَرهم، لنظفرِ نحن بصورةٍ ونلتقطَ لحظاتهم الّتي تُركت للنسيان.


vendredi 5 octobre 2018

بين الحياة الافتراضية والذاكرة الرقمية

تتوّغلُ في ذاكرةِ حاسوبك، تفتحُ صورًا قديمةً، فتعود لكَ الذّكريات بكلّ تفاصيلها وتجدُ نفسك أسير تلكَ اللّحظاتِ.

أنت عالقٌ هنا في هذه المدينةِ، تحت سماءٍ غائمةٍ، في صباحٍ ديسمبري باردٍ، تُراقب وجوه المارّة منتظرُا شخصًا ما. عالقٌ في هذا الطّريق، حيثُ الأرصفةُ تضجُّ بأحاديث الغرباءِ، والأزقّة الضيقةُ تستقبلُ إبتسامات العابرين. عالقٌ في ذلك المقعد القديمِ، تحت أشجارِ السّرو الّتي تطوّق الحديقة، مع تلك الأغنيةِ. 

أنت عالقٌ في محطاتِ الانتظار الّتي ظننت أنّك لن تُغادرها،  في مقاعد الدّراسة الّتي لعنتها في السّاعة ألف مرّة، واليوم هي المقاعدُ الوحيدة الّتي تشتاق الجلوسَ عليها.

أنت عالقٌ في الأماكن الّتي فقدتَ تأشيرةَ الدّخول إليها والأشخاصِ الّذين غادرُوا حياتك، في لحظةِ تخرجك ولحظات تعثّرك،  في الأيّام الجميلةِ الّتي ظننت أنها ستدومُ لكنها مضت، في صورةِ عزيزٍ وراه التراب وطواه النسيان.

أنت عالقٌ في تلك اللّحظة، حيث أَطلقت ضحكةً طويلةً من القلبِ، في حوارٍ طويلٍ مع روحٍ تحبّها وتفهمك، في الدّروب الّتي قطعتها ولم تكن تستحقُ عناءَ السّفر والتّعب،  في الوجوهِ الضّاحكة داخل الصّورة العابسةِ خارجها، في الابتساماتِ العابرةِ والأحاديثِ الّتي لم تكتمل والحكايا الّتي يُتّمت قبل النّهاية والبدايات الّتي وجدت نفسك فيها دُون أن تدري كُنْهها وما تُخبئه الأيّام. 

ماذا لو فقدتَ حاسوبك ؟ هل ستفقد ذاكرتكَ أيضًا؟ هل ستفقد كلّ ذكرياتكَ والتّفاصيل؟ 
ذكرياتنا اليوم أصبحت مُتّصلة بذاكرةِ حاسوبٍ أو هاتفٍ، أصبحنا بسببها نُهمل ذاكرتنا بشكلٍ غير مقصودٍ، فالهاتف ومايحملهُ من صورٍ عشوائيةٍ أو أُلتقطت بكلِّ دقّةٍ، من مواقفَ مرّرنا بها سيئةً كانت أو جميلةً، وثّقنها باللّحظة والتّاريخ وبعض كلماتٍ على شكلِ NOTE، من وسائل التّواصل الّتي تُعيد لك ذكريات العام الماضي والسّنين المُنصرمة بإشعارٍ يُضيء شاشةَ هاتفك، أعيادُ ميلاد أصدقائك والمقربين وحتّى أفراد عائلتك، ما عُدت تحفظها في ذاكرتكَ ما دام هاتفكَ يتولّى في كلّ مرّة تذكيرك.  
ما عُدنا نعتمد على ذاكرتنا الطّبيعية في حفظِ ذكرياتنا، حواسيبنا بمساعدةِ هواتفنا الذّكيّة تتولّى ذلك، هذه الأجهزةُ سرقت أقلامنا وأوراقنا ورسائلنا، وها هي اليوم تسطُو على ذاكرتنا، فماذا بعدُ؟
ً

vendredi 28 septembre 2018

مشهد صباحي من الحافلة

مشهدٌ صباحيٌّ من الحافلة؛
طالَ بي الضّجر وأنا أُسند رأسي على نافذةِ الحافلةِ أُشغل نفسي بكِتابي تارةً، وأراقبُ النّاس من حولي تارةً أخرى، الجميعُ صامتٌ لكن عُيونهم تَروي ألف حكايةٍ، بعضهم بملامحَ باردةً لا تَشي بما يدورُ في عُقولهم والبعضُ يضعُ سمّاعاته في أذنيّه، مُحلّقًا في عالمهِ الخاص مُنفصلاً عن مُحيطه وواقعه، على الجانب الآخر كانت تجلس فتاةٌ، بَدت مُستسلمةً للحزنِ، بوجهٍ شاحبٍ وهالاتٍ سوداء تشِي بليالٍ طويلةٍ من الأرقِ، تعبثُ بحزامِ حقييتها اليدويّة،ِ وتنفقُّ دقائقَ الانتظارِ وهي تنظر في مرآةٍ صغيرةٍ تحملها معها، تُطالع وجهها، تتفحّصُ نُدوبه وتُدقّق النّظر في الحُبوب الّتي غزّتهُ والهالاتُ الّتي استقرّت به. بجانبها تجلسُ امرأة في عقدها الخامسِ، تُراقب حركاتها، تُقلّبها وتمعنُ النّظر في وجهها، ثم قالت : " لِمَ لا تضعين بعض مساحيقِ التّجميل؟ تبدين مُخيفةً !" 

رفعت وجهها، نَظرت إليها بهلعٍ، وبنظرةٍ حزينةٍ، أدارت رأسها تتفحصُ ما حولها بآسى وتوجسٍ. 


المشهد جعلَ آلافَ الأسئلةِ تدقّ في عقلي ومئاتَ الأفكارِ تتكالبُ في رأسي، كم من عنفٍ لفظيٍّ يمارسه النّاس على بعضهم بسبب مَلامحهم الشّاحبة والنّدوب الّتي تحملها وُجهوهم؟ إنَّ النّدوب الّتي تحملها أجسدهم هي الجروح العميقة الّتي نزفوا دِمائها وضمدوها وَحدهم، بشرتُهم الباهتةُ المليئةُ بالشوائبِ والهالات السّوداء تحت عُيونهم هي الخيبات الّتي تجرّعوا مرارَتها وحدهم، هي عواصف التّفكير والحزن المدفونُ والغضب المكبوتُ. كلّ جزءٍ من أجسادهم ووجوهِهم، ترونَه غير جميلٍ هم فخورينَ به، كلّ جزءٍ لا يُعجبكم وترمونهُ بسيءِ الكلام كُلّما التقيتموهم، هو نتيجة صِراعاتهم المُضنية وحُروبهم الدّاخلية الّتي لم تعرفوا شيئًا عنها، ولم تَسمعوا حتّى ضَجيجها ولم ينفثّوها في وجوهكم كلماتٍ تَستجدي عطفكم أو ألفاظًا شائكةً تجرحُكم. كلّ ندبةٍ تعني أن عواصفَ هوجاءَ اعترتهم وقاوموها، أن طوفانًا غاضبًا اجتاحهم، خلفَ انجرافات وأخاديد لكن أيضا اخضرت بعده أرواحهم وأزهرت حُقولَ نرجسٍ وبنفسجٍ، كلّ ندبة تعني أنهم تعثّروا ونهضوا، أنهم تخبّطوا في الظُّلمات ونجوا، أنهم انكسروا ولملموا شَتاتهم، كلّ النّدوب تعني أنهم الآن ودون مساعدة أيّ أحد منكم، استطعوا أن يقفوا على قَدم وحدةٍ، بعد أن بَترتُم أنتم ومقاييسكم الفاسدةُ قدمهم الآخرى.

 رجاءً احتفظوا بتعليقاتكم، فهم مُتصالحين مع كلّ جزء مُنه، حتّى تلك النّدوب الّتي جعلتهم أقلّ اكتمالاً لكن أكثر قوّةٍ! 

أيها التغيير...لماذا نخافك؟


التّغيير مُؤشرا جيدٌ على أنّنا نتفاعلُ مع الحياة، فنحن عندما نكون قابلينَ لتعلم أشياء لا نعرفها وتجربةِ أشياءَ غير مألوفة،  عندما نسعى لاكتسابِ معارفَ جديدةٍ وخوضِ مغامرات مجنونةٍ، نحن نُغيّر نظرتنا تجاه الأشياءِ ونكتشفُ أنفسنا، هذه اللّحظات هي الّتي تُعطى معنى لوجودنا وتمدّنا بسحرِ الحياة، نحن من أجل هذه اللحظاتِ فقط نحيا. 
أسباب كثيرةٌ تُساهم في تغييرنا، قد نَعي بعضها ويفوتنا أن ننتبه لبعضها الآخر،حتّى الصّراعات الّتي خُضنها وخرجنا منها مُنتصرين، التّجارب الّتي مرّرنا بها، لحظات العجزِ والوهنِ الّتي نَجونا منها، هي كُلها أسباب غيّرتنا وألهامتنا لنكون ما نَحن عليه اليومَ. 
ربما لم نَسلك الطّريق الصّحيح، لكن المكان الّذي وصلنا لهُ يجعلنا لا نكفّ عن الامتنانِ لكلّ مُنعرجٍ خَطِيرٍ مشينا فيه وكلّ قرارٍ خاطئٍ تعثّرنا به.
نحن سُعداء بما أوصلنا إلى هنا، حتّى تلك التّجارب السّيئة الّتي استنزفتنا سمحت لنا أن نكتشفَ جوانب أخرى من شخصيتنا نجهلها، وساعدتنا في بلورةِ مفاهيمنا الخاصةِ للحياةِ والعلاقاتِ والأشياءِ...


samedi 25 août 2018

لا جدوى من ديمومة الفرار


كيف تَسأل النّاس عن أحوالهم كل يوم لكنك تنسى أن تسأل نفسكَ عن حالها؟

كيف حالكَ أنت الّذي تسيرُ على عجل، بخطى حثيثةٍ، والأسئلةُ تدقُّ في رأسك وتلفُّ وجهك بضبابِ الأجوابةِ.

 كيف حالك وأنت واقفٌ في المنتصفِ، تتحرك مثلما تتحركُ الأشجار، تترنحُ ولا تتقدمُ. 

كيف حالكَ وأنت عالقٌ في أرجوحةٍ ترفعكَ اليوم إلى الأعلى حتى تبلغَ عَنان السّماء وغدًا تهبطُ بك فترتطمُ بالأرض وتغوصُ قدامك في وحلها.

كيف حالكَ والأفكارُ تتكالبُ في رأسك، مشغولَ الفؤاد، تائهَ الفكر، خائِر القُوى، منطفئًا، كأن الضّوء الّذي أوْدعهُ الله بداخلك أوْشك أن يكفّ عن بعثِ نُوره.

كيف حالكَ وأنت تسيرُ ولا تصلُ، كأعمى بلا عصى ولا بصيرةٍ، الدّرب يمضي بك ولا تدري إلى أينَ. 

كيف حالك وأنت تتجاهلُ نداءاتِ فزعكَ وتغضُّ طرفك عن صراعات روحك وتبتلعُ علقمَ الأسئلةِ وتتناسى قلقكَ الدائمَ. 

كيف حالك وأنت في صراعٍ طويلٍ مع الصّمت، في هربٍ مستمرّ من نفسك، شديدُ التّحمّل والتّجمّل والظّنون تنخُر رأسك.

واجهِ نفسك ..لا جدوى من ديمومةِ الفرارِ.

jeudi 23 août 2018

مراجعة رواية بيروت مدينة العالم



ربيع جابر روائي يغوص في تاريخ المدن ويتنقل بين الأزمنة والأمكنة بكل رشاقة.
في هذه الرواية، وهي الجزء الاول من ثلاثة أجزاء تروي تاريخ بيروت منذ أن كانت مدينة صغيرة حتى أصبحت مدينة ثرية وبوابة لبلاد الشام على البحر.
ربيع جابر مبدع، يأخذك في رحلة إلى بيروت بدروبها الضقية وبحرها ومرفئها وبيوتها القديمة ودكاكينها، سترى ماذا يأكل أهلها وماذا يشربون، كيف يحتفلون بأعراسهم وكيف يحزنون ويموتون، ستسمع صوت العصافير والسنونوات فوق أشجار السرو والجميز .
الرواية تسرد حكاية  رجل بذراع واحدة يدعى "عبد الجواد أحمد البارودي" يأتي من دمشق هاربا من جريمة قتل، هذا الهروب يؤسس للعائلة ولحارة البارودي،
تتغير بيروت ويتغير العالم وتسير أسرة البارودي في اتجاهين، الأول هو الزوال الذي يتهددها مع الكوارث والحروب التي تتكرر في بلاد الشام، والثاني هو ثراؤها على يد عبد الجواد البارودي وابنه الأوسط عبد الرحيم.

هذه أول قراءة لربيع جابر ولن تكون الأخيرة إن شاء الله، فهو يضاف لقائمة الروائين العرب المبدعين في سرد التاريخ. 

jeudi 12 juillet 2018

بين الخراب والإخضرار

ماذا ترى ؟ 
الخرابَ أم الإخضرار؟ 
وإن طُلب منك أن تلتقط صُورة للمكان الّذي أنت فيه في تلك اللّحظة، أيّ زوايةٍ ستصبُّ عليها تركيزك وأيّ زوايةٍ ستحاول إخفاءها؟ 
ماذا لو قارنت هذهِ الصّورة بدواخلك؟ ألا يمكن أن تكون مرآة تعكسُ خبايا رُوحك؟

الخَراب الّذي تُحاول إخفاءه وتخشى كثيرًا أن لا يصل إليه أحدٌ ويكتشفه ظنًّا منك إنّك ستستطيع ترميمهُ في وقتٍ قصيرٍ دون حاجة لمساعدةٍ أو كلمة.
أنت الّذي عشت عُمرك تتوارى عن العيونِ أوقات الضعف خشيةَ أن تصلهم أصواتُ إنهياراتك الداخليةِ، الّذي لا يُجيد تعريةَ مشاعره وإنّ فعل فإنّه يَسترها تحت غطاءِ غريب اللّفظ كي لا تُستباح حُرمتها.
ذاك الّذي أمضى حياتهُ متوجسًا، محترسًا كي لا تنهمر مشاعرهُ كالسّيل وكي لا تنسكب مدامعهُ شلالاً محترقًا على حين غفلةٍ منه.

ماذا لو أنك لم تكن بارعًا في إخفاء ما تفعله الحياة بك؟ ماذا لو أنك قادرٌ على إظهار جانبك المُظلم وخرابك الدّاخلي؟ فأنت لست دائمًا بذاك الصّبر ولا القوّة ولا طيبةِ ولا الجمالِ الّذي يعتقدونه ! 
ماذا لو كنا أكثر رفقًا ببعضنا ؟ ماذا لو قَبلتَ وجهي الآخر المُتذمر والمنزعج؟ ماذا لو كُنت أخاف عليكَ أكثر مما أخافُ منك ؟ ماذا لو كنا قادرينِ على إظهار القبّح تمامًا كقدراتنا على إظهار الجمال؟ ماذا لو كان باستطاعتنا أن نكشف عن وجهنا الآخر وجانبنا السّيء الّذي لا يعرفه أحدٌ سوانا ونكفّ عن ارتداء ثوبِ الضّحية الدّائم؟

mercredi 27 juin 2018

إقرأ لتعيش أكثر من مرة

"أن تقرأ يعني أن تُوقظ الطّفل الّذي بداخلك وتُحافظ على فُضولك المستمرّ تجاه الحياة"
متعةُ القراءة لا تكمن في كونك تقرأ لتعرف أشياءَ جديدةٍ فقط، مُتعة القراءةِ في الطفولة الّتي تستيقظ بداخلك وتجعلك في دهشةٍ مستمرّةٍ وفضول دائمٍ تجاه الحياة والعوالم الّتي بين يديك وتنتظر دُخولها، في شعورك بالفرح عند الحصولِ على كتب جديدةٍ، في حزنِك عند الانتهاء من كتاب أبهركَ، في رغبتك بالحصولِ على كلّ الكُتب الموجودة في أقسام المكتبةِ ولكن تعلم جيدًا أنّه من المستحيل أن تقرأهم جميعًا، في قلقك على كتاب استعارهُ أحدٌ منك ولم يُرجعه، في غضبك عندما تكون مجبرًا على إيقاف القراءة، أن تقرأ يعني أن تكون بينك وبين الكتابِ علاقةٌ حميمةٌ، هي نشوةُ شعورك بانحسارِ مناطقِ الظّلام في عقلك وتمدّده وإنفتاحهِ، فكلُّ كتابٍ بالنّسبة لك هو عالم له قوانينه وشخوصه وحكاياتهُ ومع كلّ كتابٍ جديدٍ تشعر أن حياتك تُصبح أطول، وأن خبرتك تزداد ثراءً، تتغيّر وتُصبح نظرتكَ لأبسط الأشياءِ مُختلفةٍ.
عندما أقرأ أشعرُ تمامًا بما قالهُ كارلوس ثافون : "إن القراءةَ تمنحُني فرصةَ العيش بكثافةٍ أكبر."
إنّني أكبر، وأتورّط في سحرِ الكتاب أكثر وأكثرَ وأُحاط بدهشةٍ مُختلفة ولطفٍ خفيٍّ كما لو كُنت أحْيا في فُقاعتي الّتي كوّنتها في عمر الخمس سنواتٍ ولم تعد القراءةُ بالنسبة لي مُتعةً بل غريزةً كالجوعِ والعطشِ تمامًا.
ستصنعُ القراءةُ فرقًا في شخصيتك، فرقًا واضحًا جدًّا حتى في أقصر جُملة تكتبها أو تَقولها، في طريقةِ شُكرك، في إنبهاركَ، في اعتذارك وحُزنك وفرحكَ وحتّى تذمرك !
ثمّة فرقٌ واضحٌ جدًّا.

mercredi 20 juin 2018

إعادة تشكيل الكلمات


العصافيرُ، صوتُ السّماء الّذي تفقِدهُ عند كلّ غروبٍ.
النّجوم، أزرارٌ برّاقةٌ تُزيّن جلبابَ السّماء الحَالك.
الغيومُ، زهورٌ قطنيّةٌ تُعكّر صفو السّماء بأناقةٍ. 
الشّمس، النّجم الوحيد الّذي عندما يصلُ لا يجدُ أخواتهُ في استقبالهِ.
القمرُ، وجنةُ فتاة أضاعت طريقها بعد قُبلة تلقّتها من عاشقٍ رحلَ.
الصّباح، تلميذٌ نشيطٌ لا يغيبُ أبدًا يأتي راكضًا بين طُرقات الأحاديث، واقفًا بين ممراتِ العيون، هاربًا من زوجة أبيه.
اللّيل، كائنٌ وحيدٌ كلّما قدم رَحل كلّ أصدقائه.
الشّفق، كمينٌ نصبهُ القمرُ لشمس لتقعَ أسيّرتَه.
الأمواجُ، أيادي خائفةٍ تستنجدُ بالشّاطئ في الدّقيقة ألف مرّةٍ.
الطّرقات، أطواقٌ من حديدٍ تخنقُ الأرض وتمنعُ النباتاتَ من التّنفسِ.
أصوات الأحبّةِ، زُهورٌ ساكنةٌ في حناجرهم تثنرُ رحيقها في أعماقِنا.

شروخ في جدار العمر



نحنُ ضحايا أشياءَ مرّت لكنها ظلّت كالشّرخ في جدار العمر، شرخٍ لا نأبه بإصلاحهِ أو حتى محاولةِ ترقيعه.

ضحايا الرّسائل الّتي لم تُرسل والكلمات الّتي تحترقُ بين الشّفاه والأسئلة الّتي تدقُّ في الرأس كأجراسِ الكنائس.

ضحايا الأسماء المُتأرجحة على أوّتار الذّكرى والتّواريخ المحفورةِ على جدران القلبِ والأماكن الّتي فقدنا تأشيرة الدّخول إليها.

ضحايا المُنتصف الّذين خدعتهم دهشة المرّة الأولى والأشياء العابرة الّتي مرّت لكنها بقت حيّة نابضةٍ في تلافيف الذّاكرة والدّروب المفخّخة بالحفر والمطبّات الّتي مشيناها ولم نصل والطّرقات الّتي وقفنا في مُنتصفها تائهين نلوك الخيباتِ ونجترُّ مرارة الحيرة.

ضحايا السّفن الّتي غادرت دون رجوعٍ والقوراب الّتي تتقاذفها الأمواجُ والمراكب الّتي لم تجد مرفأً آمنًا ترسو به.

ضحايا النّداءاتِ الصّامتة والعتاب المكتوم وصيحاتِ الفزع التّائهة والحشرجات المكبوتة والجُرح الّذي لا يبرأُ والهروب المستمرّ. 

ضحايا الفُرص الضائعةِ والهزائم المخفيّة، الحروب الصّاخبة والانتصاراتِ الصّامتة، ضحايا رجفة القلب وحرقة الشّوق ولهفةِ الحنين.



mercredi 16 mai 2018

الأشجار واغتيال مرزوق


منيف في هذه الرواية يكتب عن الإنسان في شرقنا التعيس. منصور عبدالسلام وإلياس نخلة، شخصيتان تمثلان العربي وأولوياته، يتحاوران حول السياسة والمرأة والدين والتاريخ والارتباط بالأرض، بين النقمة الشديدة على الوطن والحب الكبير له. الوطن يبرز من خلال (طيبة)  قرية إلياس، في مقابل وطن منصور عبد السلام الذي لم يحدده منيف، يتقاسم كلاهما تلاشي معنى الوطن، فمأساة إلياس نخلة تمثلت بقطع الأشجار، ولهذا اضطر  إلى رحلة طويلة من المعاناة من خلال البحث والعمل في عدة مهن،  ولكنها حالة تتماثل وتتطابق مع مأساة العربي اليوم وهي ليست مقصورة على الإنسان البسيط فحسب، إنما تطال المثقف والأستاذ الجامعي الذي اضطر إلى مغادرة وطنه (شخصية منصور)

أجمل ما فيها إلياس نخلة، وتعلقه بالأرض وحبه للأشجار التي أبداع في وصفها وتشبيهها لدرجة تجعلك تشعر أن بها إحساس، تحزن وتئن وتفرح وتبتسم !
تخلو الرواية من أية إشارة مباشرة إلى مكان وزمان أحداثها والسؤال الذي يظل يطوقك طوالها؛ أي وطن كان يقصد منصور عبد السلام؟ ولماذا لم يصرح باسمه؟ ولماذا لم يصرح إلى أي انتماء سياسي ينتسب؟ ربما منيف أراد التعبير عن العالم العربي كله دون استثناء، فالقضايا التي يطرحها هي قضايا تشمل الرقعة العربية عامة، بل هي ما زالت قائمة حتى اليوم رغم مرور 40 سنة على كتابة هذه الرواية !

لن تسلم على أية حال




"أشياء لا تحتاج أن تبررها للآخرين: 
مستوى تعليمك، مظهرك، علاقتك بربك، وقتك الخاص، اختياراتك في الحياة والعلاقات."

يُؤسفني أن أقول لك إنّك تحتاج أن تُبرّر ومضطرٌّ أن تشرح كلّ ما تقومُ به لأنّ هذا العالم لن يتركك وشأنك،
 فأنت مجبورٌ أن تفسر لهم سبب النّدوب الّتي في وجهك والهالات السّوداء تحت عينيك.
أنت مضطر أن تشرح لهم سبب خُروجك على السّاعة السّابعة رغم أن موعدك بعد الظّهر. 
وتوضّح أسباب تأجيل تخرّجك والظّروف الّتي أجبرتك على تركِ دراستك وسبب اختيارك لهذه الشّركة في مقابلة عملٍ.  
وتبيّن كيف إنّك تحبُّ البحر ولا تحبُّ السّباحة وتحبُّ الشّمس ولا تحبُّ الصّيف.   
وتوضّح ما الّذي يُعجبك تحديدًا في حذاء يعودُ لحقبة السّتينات ولماذا تلبس زيًّا رياضيًّا في سهرةً احتفاليّةً.
وتُفسر سبب كتاباتك عن الحبّ وأنت لست في علاقة وتعلّل سبب اختيارك لتخصصك العلمي في حين إنّك شاعرٌ.
وحتّى هذا المنشور سَتكون مضطر أن توضّح ما الّذي جعلك تكتبهُ ! 
نحن في مجتمعٍ يستنّزفُ منك طاقاتٍ هائلةٍ لتبريرِ فعلٍ بسيطٍ حتّى إن لم تكن مهتمًا برأي النّاس بشكلٍ أو بآخر ستتّلفُ أعصابك.

vendredi 11 mai 2018

عساكر قوس قزح؛ تمجيد للعلم ورثاء للكفاءات المهدورة تحت سطو الفقر والتقسيم الطبقي


إلى أرخبيل أندونيسيا، المكان الذي لم يصلنا أدبه سابقا، رواية عساكر قزح هي أول رواية مترجمة عن الأدب الأندونيسي، الرواية كانت بمثابة رحلة ثقافية جميلة لمكان أنا غريبة عنه بالكامل، في جزيرة بيليتونج شرق سومطرة، جزيرة تمتزج فيها الأساطير بالأديان وتخلتط الشعوب والثقافات، أغنى الجزر مصادر طبيعة وأفقرها شعبا، ما بين أكواخ الملاويين البسيطة وأسواقهم ذات الرفوف الناقصة وأدغالها الكثيفة، وفي المدرسة المحمدية وصفها الذي لا يحوي إلا عشرة تلاميذ  ومعلِّمَين يُدرسان مجانا، هدفهما الوحيد أن لا يتخلى أي من التلاميذ عن المدرسة والتعليم رغم كل الصعوبات التي تعترضهم ؛ خاصة لينتانج الذي يقطع مايزيد عن 40 كم يوميا ويعبر نهر مليء بالتماسيح وعند وصوله للنهر كان يضع ملابسه وكتبه في كيس بلاستيكي ويضغط عليها بفمه ويغوص مسرعا ليعبر إلى الجهة الأخرى، إن قرأتم الكتاب ستُبهِركم مواقف لينتانج وكفاحه من أجل العلم.
الرواية تمجيد للعلم، رثاء للكفاءات المهدورة تحت سطو الفقر والتقسيم الطبقي، ستفرح مع عساكر قوس قزح ( التلاميذ المدرسة العشرة) يوم يهزمون الشركة التي تريد هدم مدرستهم لتنقيب عن القصدير تحت أرضها ويوم يتفوقون على تلاميذ المدرسة الراقية ويوم يقفون أمام مفتش المدارس ويمنعون كل محاولاته  لغلق مدرستهم.

فاقت مبيعات هذا الكتاب 5 ملايين نسخة ونشر في ثلاثة وعشرين بلدا وفي 2008 تحول إلى فيلم، كان رحلة ممتعة حاول فيها الكاتب شرح كل شيء متعلق بجزيرته وثقافته، إلا أن الترجمة ظلمته أحيانا، هناك الكثير من المفردات الركيكة وبعض الكلمات أيضا مترجمة بمصطلحات لم أستطع إيجاد شرح لها، كأصناف النباتات وغيرها، بقِي أن نختم في هذه المراجعة بتعريف المعلم باك هرفان للعلم و المدرسة : " إن المعرفة تتعلق باحترام الذات، وأن تحصيل العلم هو فعل ولاء للخالق، وأن المدرسة لم تكن دائما مرتبطة بأهداف مادية؛ مثل الحصول على شهادة تؤمن لحاملها الرفاه، أن المدرسة في الواقع مبجلة ومهيبة، إنها إحتفاء بالانسانية، إنها بهجة الدراسة وضوء الثقافة." 
#عساكر_قوس_قزح
#آندريا_هيراتا

mercredi 25 avril 2018

رقصات التيه والضوء





نحن الباحثون عن لحظة صفاءٍ، في أزقّة الشّوارع الضّيّقة وأمام بيوتِ الحاراتِ المنسيّة، في حكايا العابرينِ وضحكات الأطفال، على أفنانِ الشّجر وفي إنحناءِ سعف النّخيل، فوق التّلال البعيدةِ وتحت السّماء الغائمةِ، وراء النّوافذ وأمام الأبوابِ العتيقة، في أسرابِ الطّيور وبين سُطور الكتب، في إبتساماتِ الأمّهات وهذيانِ العشاق، في الأمواجِ المُنتحرِة على الشُّطْآن وفي نُور الصّباح المُنكسر على الجُدران.

نحن التّائهونَ في مُدن الظّلام وبين زحمة الحياةِ، نعجنُ المسافات ونسابق الرّيح، نختفي خلفَ مواسم الآسى والحنينِ لنصنع من الحُزن لحنًا شجيًّا ومن الشّوك قصائد ومن الكلماتِ أناشيدًا للحياة.

mardi 24 avril 2018

أرض السواد ...لحن عراقي شجي وقصيدة عشق طويلة

أرض السواد، لحن عرقي شجي، قصيدة عشق طويلة، أنشودة حب دافئة للعراق حيث تتدفق ينابيع المياه من قمم الجبال في الشمال وتلتهب بغداد تحت شمسها الحارقة.
بين قسوة طبيعة العراق ورحمتها كما لو أن طبائع أهلها صورة عنها، فخلف قسوة البدو وغلظتهم تنساب مشاعر الحب والشوق والبهحة مترقرقة كمياه شلالات كركوك، وتفيض مشاعر الحزن والشجن والآسى كقسوة فيضان نهر دجلة، وأمواجه العالية التي ترتفع وتغمر بيوت الكرخ والمحلة وتصل إلى قهوة الشط والسراي.
من بغداد إلى الموصل حيث تراث العراق الأثري يتعرض للنهب دون رقيب، إلى كركوك ومناطق الشمال حيث تتحالف القوى لتحاصر العراق وتستنزفه.
من عصر داود باشا آخر مماليك العراق في 1780 يبدأ منيف روايته العظيمة مصور الكيفية التي شق بها تاريخه إلى الولاية وكيف خاض سلسلة من صراعات ضد خصومه، يسهب منيف في الحديث عن أبناء العراق الذين يمثلون فقراء ارض السواد والطيبن والمخلصين لبلدهم (سيفو، الحاج صالح العلو، بدري، فطيم، حسون، الأسطة إسماعيل...)، يصور أيضا تضامن العراقين في مواجهة فيضان النهر وتضامنهم لإخراج الحاج صالح العلو من حزنه على مقتل ولده وتضامنهم ضد التدخل الأجنبي للمستعمر البريطاني.
تنتهي الرواية لكن تبقى أحاديث رواد قهوة الشط على ضفة نهر دجلة وأصواتهم في مخيلتنا، هسهسة الريح وهي تلاعب مياه النهر، قيظ الصحراء المترامية، الغبار الذي تثيره الخيول في رحلاتها، رائحة المطر والنباتات، الجبال وتتدفق مياه شلالات الشمال...يبقى كل هذا العالم الثري المتناقض القاسي/ الضاج بالحياة حاضرا في مخيلتنا.
#أرض_السواد

dimanche 8 avril 2018

الظل لا يعكس دائما الحقيقة

هناك الكثيرُ من الأسئلةِ المُستعصية دُفنت في لحظة شُرودٍ طويلٍ. 
هُناك الكثيرُ من الكلماتِ كُتمت وراءَ كل تنهيدةٍ حارقةٍ كي لا تخرج أشواكّا تجرحك.
هُناك الكثيرُ من الأحاديث المُغلّفة بالحبّ تاهت بين نظرةٍ مبعثرةٍ في الأرض تارةً وعيونكم تارةً أخرى.
كم من رسائلِ مُزاح غُلفت بإهانةٍ لاذعةٍ وهشّمت القلب فلم تبقى فيهِ حتّى الذّماء.
كم من شخصٍ يُعاتبك وينتظر بُعدك وغيابك، فربما ليست كثرةُ العتاب حبًّا وتشبّثًا.
كم من شخصٍ هدّد بالرّحيل ليسمع " لا ترحل"، لتبحث عنهُ ويتأكد أن وجودهُ ليس عدمٌ وأن في غيابهِ فراغ لا يملأهُ غيره.
كم من كلمةِ "لا" احترقت بين الشّفاه لتُخفي وراءها كلمة "نعم" خائفةً ترتعدُ.
أنصِتوا جيدًا...
فليست الأشياءُ بظواهرها، والصّمت يقول أشياءَ كثيرةً.
ليس كل ما تَراه العين هو حقيقةُ الأشياء، ربما هي أبسطُ وربما هي أكثر تعقيدٍ.
وليس كلّ ما يصل لهُ قلبك بعاطفتهِ ويُفسره عقلك بتحليلاتهِ صحيحٌ بالضّرورةِ.

jeudi 15 mars 2018

" أعلم أن كل نفس ذائقة الموت لكن ليس كل نفس تذوق الحياة."



إن لطمأنينةِ بريقٌ ودفءٌ لا يعرفهُ إلاّ من جربَ شُعور القلق، حين تشعر بها سيكون الشّعور أعمق وأدفئ من أيّ نسيجٍ في العالم، ستجدها في مراقبةِ عصافير الصّباح وهي تحلّقُ بخفّةٍ وأخرى تتشاجرُ أيّها جاء إلى الغصنِ أولاً، ستجدها في إبتسامةِ طفلٍ وفي آخر يفلتُ يده من أمّه ويعود لكَ من منتصف طريقهِ ليطبعَ قبلة على خدك ويخبرك كم يحبّك، في ضحكةٍ تضحكها من القلبِ وسط لحظةٍ آمنةٍ كأنّك ستحيا فيها إلى الأبد، في حوارٍ طويلٍ مع روحٍ تحبّها وتفهمك، في مطرِ اللّيل وهو ينقرُ سطح غُرفتك ونافذتكَ لتخرج وتستقبلهُ، في طريقٍ طويلٍ تمشيهِ لوحدك  وتفتِّش بعينِ القلب عن آيات الجمال.
أشياءُ وحدك ستشعرُ بقيمتها وستجعلكَ تتّبعُ الجمالَ في كلّ الزّوايا، أنغمسك في تفاصيلكَ الصّغيرة سيجعلكَ تحبُّ الحياةَ بطريقةٍ مُندفعةً ومجنونةً.

vendredi 23 février 2018

‏عمرٌ حقيقيٌّ يمضي، وأنت تخشى مُضيّه عبثا

بخُطى متثاقلة تتسلّلُ هذه اللّيلة لغرفتي رفقةَ صغارها "الفرح" و"الأمل" ، تُوقظني من كنفِ الذّاكرة، لتبعثرني ثمّ تُلملمني بالأحضانِ والوعودِ، أحدّقُ بها مذهولةً وأبحثُ بلهفةٍ في جُيوبها عن حلم تاهَ مني وأمنياتٍ أنهكها طُول الطّريق، الفرحُ يتعثّر بظنونهِ وخيباته ويحنُّ لقفزاتِ الطفولةِ و الأملُ يسقي روحًا أضناها طولُ الانتظار، وقفت تلتقطُ أنفاسها مشدوهةً بعد أن رتّبت حقائبَ الطّموح ومسحت غُبار الماضي المُتراكم وغسلت أحلامَ الأمسِ، تُمسك يدي بقوّةٍ تهزّها وتقولُ : انظري هناك، في فوهةِ الجدار سردابٌ لابد أن نعبرهُ لنصل إلى النّور!" لم تنتظر إجابة بل شدّت على يدي أكثر ماضيةً بي في دُروب أجهل معالمها وسردابٍ لا أعلم طولهُ ولا نهايتهُ.

 العام الخامسُ والعشرين على وشكِ البدءِ ومازال إحساس عدم الانتماءِ يشتّتني، أخدّره بموسيقى تصدحُ علّها تُسكت صوت طفلٍ ينتحِب بداخلي وبعض أفكارٍ صمّاء مبعثرةً في دياجيرِ دفترٍ مُثقل بالأمنياتِ، كلّ ما أنا مُتأكدةٌ منه الآن أن الحياة بالشّعور لا بالامتِلاك، أصبحت متيقنةً أنّي لا أريدُ أن أملك فيها شيءً يمنع عني شعورَ الرضى والسّلام، كل ما أريده أن أستمتع بجمالِ لحظاتها العابرةِ، أن أعيش سحر تفاصيلها حتّى تتغلغلَ بداخلي وتطوّقني بالفرح والدّهشة. 

هذا العمرُ الّذي يجبُ أن يكون نقطةَ وقوفٍ، نقطةً تتخلصُ فيها من أوراقِ الماضي المُبعثرة في أدراج الذّاكرة، ترتّب أوراق اليوم بدقّةٍ وتتوقّع أين ستكون أوراقُ المستقبل. 

هذا العمر الّذي يجب أن تُعطي فيه لقلبكَ إجازة طويلةً وربما نهائيةٍ ويعمل فيه عقلك دون توقفٍ وبدون مجهودٍ ! 

العمر الّذي عليهِ أنّ يشّبهَ ﺗﺼﺮﻓﺎتك ، ما تقولُ وما لا تقولُ، شكلك وطريقةَ لباسِك، ما تكتب وما تنشرُ ، ﻋﻼﻗﺎتك في المجّتمعِ وقد يصلُ الأمر إلى مشاعرك !
العمر الّذي يجب أن تتوقفَ فيه عن غباءِ أن تُلدغ من ذات الجحر مرتينِ وأنت تبحثُ عن الأسباب وتُوهم نفسك بأنّك معذورٌ ومغلوبٌ على أمرك.

لكن الزّمن يدورُ بسرعةٍ جنونيةٍ كسرعةِ الريّح في الطّواحينِ، وكلّ ما نجيدهُ هو الأسئلةُ المستعصيةُ والقلقُ العقيمُ و اللّوم المتكّرر، الجميع كانت لهم أحلامٍ تخلوا عنها، الجميع كانت لهم طُموحات لم يصلوا إليها وأهدافًا معلقةً على لوحِ الإنجاز أزالوها دون أن تكونَ قد تمّت،  الجميع كان لديهم أمنياتٌ مرتصّةٌ تحت الوسائدِ وأخرى مرفوعةً إلى بريد السّماء، في هذا العمر نحن نحتاجُ أن ننسى الشّعارات الباليةَ والكلام المنمّق، نحتاج أن نتأقلمَ مع المُتاح، ونُعيد صياغةَ الأمنيات، نحتاج أن نفعل لا أن نَحلم، نحتاج أن نتصالح مع قلّةِ حليتنا، أن نكفَّ عن لوم أنفُسنا حين تنفذُ الفرص، فطالما كانت هناك فرصٌ للمحاولةِ، نحن لم نتوقف عن المحاولةِ لكن مادامت الفرصُ قد انعدمت فلماذا لا نكفُّ عن جلدِ ذواتنا وإرهاقِها؟

lundi 19 février 2018

رحلتي إلى مدن الملح



"وتقوم مدن الملح، ترتفع وتكبر، ولكن إذا جاءها الماء، فش ولا كأنها كانت! " 

انتهت رحلتي في مدن الملح، الرحلة التي عشت فيها حياة أخرى، تهت في "التيه"،  وقعت في الأخدود وابتلعني، في "المنبت" أصابتني الحيرة، غصت في أعماق الصحراء في "تقاسيم الليل والنهار"،  اشتممت رائحة الموتى في السجون وسرت على أنقاض الجثث  في "بادية الظلمات".

هذه الخماسية العظيمة التي كتبها منيف في الثمانينات بعد أن خسر  جنسيته السعوديةسنة 1963، شكلت شاهدا على حقبة تاريخية ورصدا للتحولات التي مرت بها الدول النفطية، جعلتنا ندرك حجم التغير الذي شهده المجتمع الخليجي باكتشاف النفط والبدء في إنتاجه، والتيه الحقيقي الذي عاشه بين قيمه البدوية الأصيلة وقيم التوحش المدني التي جعلته في صورة غاية في الارتباك.
الكلمات والتعابير تعجز عن وصف هذه الرواية العظيمة وكتابتها بدقة تضاهي حجم الدهشة المُصاحبة لي في كل مرة اقرأ منها شيئًا، حتى أنه يصعب جدا أن يكتب المرء لها مراجعة سريعة فالخماسية أكثر من 2000 صفحة، أكثر من 200 شخصية، متخمة بالأحداث، متعددة الأمكنة، مثقلة بالمشاعر.

في الجزء الأول"التيه"، والجزء الثاني "الأخدود" رصد منيف الفترة من 1933 حتى 1964، وفيهما ادهشني وصفه والصور الرمزية التي عبر من خلالها عن العنف الهائل الذي فجرّه التقدم الذي غزا البلاد مع اكتشاف النفط لدى أناس تعودوا على العيش في البيئة الصحراوية.

في "تقاسيم الليل والنهار" يعود بنا منيف إلى جذور العائلة الحاكمة و إلى سنوات التصارع القبائلي التي تتوج خربيط كأهم حاكم في المنطقة في اللحظة التي يقتحم فيها الغرب الصحراء فيجد في تحالفه مع خربيط وسيلة لامتلاك الثروة التي كان يبحث عنها ويستغل السلطان ذلك الظرف للهيمنة على كل ما يمكن أن تطاله يده ويعود هذا الجزء إلى نشأة كل من خزعل وفنر وفي هذا الجزء يسلط الضوء كله على الشخصيات والأفكار والأحاديث التي تتبادلها.

 في "المنبت" وهذا الجزء هو أصغر أجزاء الرواية من حيث الحجم، وتغلب فيه مشاعر الحزن و الآسى، لأنه زاخر بالصدمات، يحكي فيه عن السلطان خزعل بعد سفره إلى ألمانيا ونفيه هناك وإنقلاب أخيه عليه. 
ضعيف مريض منبوذ منفي، ويصف فيه الغربة وتفاصيلها الموجعة.

في الجزء الأخير "بادية الظلمات" ركز منيف على شخصية فنر الأمير الصامت الذي تربى على يد هاملتون العميل الانجليزي، وقد أظهر مدى الظلم الذي تعرض له الشعب ومدى الفساد والنهب الذي يحصل في السلطنة.

أنهى منيف ملحمته على مشهد اغتيال فنر. 
في الجزء الأول بقى طيف متعب الهذال يطوقني وانتظر عودته في كل جزء من الخماسية.
شدتني كثيرا شخصية الشيخة زهوة وعلاقة فنر بهاملتون علاقة تستحق الدراسة والتعمق.
انبهرت جدا بقدرة منيف على وصف الماضي والحاضر والمستقبل، وكثيرا ما وقفت مندهشة أمام وصفه لتصرفات تلك الشعوب وأفكارهم وتعاملاتهم، كأنه يعبر عنا ويصف مجتمعنا ! 

وآخيرا ستظل مدن الملح من أجمل ما قرأت على الإطلاق بل هذه الخماسية المذهلة جعلت منيف في نظري أعظم روائي عربي.

ما زلت سأقرأ لك يا منيف وما زلت سأنبهر أكثر !
#مراجعة_رواية_عربية
#مدن_الملح
#عبد_الرحمان_منيف

dimanche 28 janvier 2018

لعب على حافة الهاوية



كأنّ هذا الدّرب طويلٌ، طويلٌ معتّمٌ، وما عاد في جَيبي إلاّ الرّكض دون توقفٍ، كلّ الطُرقات سلكتها، إلاّ أنّي هنا وافقةٌ بين الأزقّةِ، أسيرةً في مفترقِ الطّرقِ، على حافةِ هاويةٍ، أتفَادى النّظر إلى أسفل والتّفكير في العواقبِ، فالهاويةُ سحيقةٌ، واحتمالاتُ السّقوط كثيرةٌ ومُجرد النّظر إلى القاعِ يُفقدني توازني ويجعلني أتخَبّط  بين هنا وهناك، بين أفكار مشتّتةٍ وهواجسِ التّوقّعات،  بين قلبٍ يُريد وعقلٍ لا يريدُ، بين جبروتُ الواقع وحلو الخيالِ. 

أقفُ مترنّحةً، أرى السّقوط لحظةً آتيّةً لا محالةَ، أتَطلّعُ إلى الأفُق أرى أملَ النّجاة يَحومُ حولي.
معلّقة بين خطوتين، إحدهما ثابتةٌ على الأرض  والأخرى تترنح في الهواءِ.
أثبّتُ نفسي جيدًا وأقاومُ، أغرسُ قدمِي في الأرض جيدًا خشيةَ السّقوط، أغمضُ عيناي علَّ الهُدوء يتسلّلُ إلى دواخلي فتستكينَ عاصفةُ الرّوح المُضطربةِ وتخمد نيرانُ المشاعر الثّائرة، إلاّ أن صوتًا بداخلي لا يسكتُ، ويظلُّ أزيزهُ يعلو ويعلو في أروقةِ صَدري، أتنهدُ بعمقٍ كعجوزٍ بلغت من العُمر عتيًّا، تنهيدةً تتّسعُ بها ثقوبُ روحي مُكوّنةً هوّةً كبيرةً تمتصُ كلّ أملٍ في النّجاة.

ما زلت أقفُ على حافةِ الانتظارِ، أنتظر شخصًا يجذبُني إلى الطريقِ الآمنِ، أنتظر يدًا أتشبّث بها وتنتشلني من عتمةِ الوهنِ والزّيّف، أنتظر خبرًا مغلفًا بحلوى الفَرح، مُعجزةً تُنقذني من سقطةٍ مدوّية.

 أقفُ حائرةً، يسكنني البردُ، يكسونِي القلقُ، يجلس بجانبي الصّمت، يقتربُ مني الخوفُ، ألوذُ بوجلٍ ورجاءٍ إلى قلبي، فيردُّ حانقًا ؛ "ألم تدري أن بعض النبضِ تيهٌ!"