مشهد صباحي من الحافلة
مشهدٌ صباحيٌّ من الحافلة؛
طالَ بي الضّجر وأنا أُسند رأسي على نافذةِ الحافلةِ أُشغل نفسي بكِتابي تارةً، وأراقبُ النّاس من حولي تارةً أخرى، الجميعُ صامتٌ لكن عُيونهم تَروي ألف حكايةٍ، بعضهم بملامحَ باردةً لا تَشي بما يدورُ في عُقولهم والبعضُ يضعُ سمّاعاته في أذنيّه، مُحلّقًا في عالمهِ الخاص مُنفصلاً عن مُحيطه وواقعه، على الجانب الآخر كانت تجلس فتاةٌ، بَدت مُستسلمةً للحزنِ، بوجهٍ شاحبٍ وهالاتٍ سوداء تشِي بليالٍ طويلةٍ من الأرقِ، تعبثُ بحزامِ حقييتها اليدويّة،ِ وتنفقُّ دقائقَ الانتظارِ وهي تنظر في مرآةٍ صغيرةٍ تحملها معها، تُطالع وجهها، تتفحّصُ نُدوبه وتُدقّق النّظر في الحُبوب الّتي غزّتهُ والهالاتُ الّتي استقرّت به. بجانبها تجلسُ امرأة في عقدها الخامسِ، تُراقب حركاتها، تُقلّبها وتمعنُ النّظر في وجهها، ثم قالت : " لِمَ لا تضعين بعض مساحيقِ التّجميل؟ تبدين مُخيفةً !"
رفعت وجهها، نَظرت إليها بهلعٍ، وبنظرةٍ حزينةٍ، أدارت رأسها تتفحصُ ما حولها بآسى وتوجسٍ.
المشهد جعلَ آلافَ الأسئلةِ تدقّ في عقلي ومئاتَ الأفكارِ تتكالبُ في رأسي، كم من عنفٍ لفظيٍّ يمارسه النّاس على بعضهم بسبب مَلامحهم الشّاحبة والنّدوب الّتي تحملها وُجهوهم؟ إنَّ النّدوب الّتي تحملها أجسدهم هي الجروح العميقة الّتي نزفوا دِمائها وضمدوها وَحدهم، بشرتُهم الباهتةُ المليئةُ بالشوائبِ والهالات السّوداء تحت عُيونهم هي الخيبات الّتي تجرّعوا مرارَتها وحدهم، هي عواصف التّفكير والحزن المدفونُ والغضب المكبوتُ. كلّ جزءٍ من أجسادهم ووجوهِهم، ترونَه غير جميلٍ هم فخورينَ به، كلّ جزءٍ لا يُعجبكم وترمونهُ بسيءِ الكلام كُلّما التقيتموهم، هو نتيجة صِراعاتهم المُضنية وحُروبهم الدّاخلية الّتي لم تعرفوا شيئًا عنها، ولم تَسمعوا حتّى ضَجيجها ولم ينفثّوها في وجوهكم كلماتٍ تَستجدي عطفكم أو ألفاظًا شائكةً تجرحُكم. كلّ ندبةٍ تعني أن عواصفَ هوجاءَ اعترتهم وقاوموها، أن طوفانًا غاضبًا اجتاحهم، خلفَ انجرافات وأخاديد لكن أيضا اخضرت بعده أرواحهم وأزهرت حُقولَ نرجسٍ وبنفسجٍ، كلّ ندبة تعني أنهم تعثّروا ونهضوا، أنهم تخبّطوا في الظُّلمات ونجوا، أنهم انكسروا ولملموا شَتاتهم، كلّ النّدوب تعني أنهم الآن ودون مساعدة أيّ أحد منكم، استطعوا أن يقفوا على قَدم وحدةٍ، بعد أن بَترتُم أنتم ومقاييسكم الفاسدةُ قدمهم الآخرى.
رجاءً احتفظوا بتعليقاتكم، فهم مُتصالحين مع كلّ جزء مُنه، حتّى تلك النّدوب الّتي جعلتهم أقلّ اكتمالاً لكن أكثر قوّةٍ!
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire