حبّاتُ الشوكولا
----------------------------
خرجَ من القاعةِ ﺑﻌﺪ خُروجهَا ﺑﺪﻗﺎﺋﻖ ﻗﻠﻴﻠﺔ .. بحثَ مطولاً ﻋﻨﻬﺎ ليجدها ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ تجلسُ وحيدة على أحدى الأحواضِ الحجريةِ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ بالحديقةِ .. تنشدُ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺪﻑءِ ﻣﻦ ﺣﺮﺍﺭةِ الشمسِ ..تراقبُ ضحكاتِ الأطفالِ ومشكاستهمْ تارةً وتتأملُ السماء طورًا.. جلسَ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺒﻬﺎ قائلاً: أتُغادرين القاعة تاركةً الجميعَ خلفكِ في يومكِ هذا فقط ل... قاطعتهُ قائلةً:
- أو تعرفُ أن الورد وأطواقهُ عشقٌ أخضرٌ ، البحرُ والسماءُ عشقٌ أزرقٌ ، الأطفال وضَحكاتهم عشقٌ أبيضٌ!
- وماذا عن العشقِ الأحمرِ ؟ ردّ ضاحكاً.
- أجارنا الله منه .. تمتمتْ بها و قد زينتْ ثغرهَا ابتسامةٌ ورديةٌ.
فأجاب ضاحكاً : آمين ...!
أردفتْ مُمازحةً : لاَ أنت يجبُ أنّ تجربهُ !
- لكن ماهو ؟
ﺃﺧﺬﺕ نفساً عميقاً بعد أن طال صمتهَا وهي ﺗﻘﻮﻝ:
شيء ما كحبّاتِ الشوكولا تأكلها تستمتعُ بها .. تعجبك ، فتكثرُ منها .. تأخذُ جُرعات زائدة فتسببُ لك التسوس ..
رسمتْ إجابتهُا على وجههِ ابتسامةً نقيةً فقال: طيب .. موافق أنّ أجربهُ !
لتردّ بانفعالاً مفاجئ : ماذا عن التسوس ! وجعُ الأسنانِ مؤلمٌ جداً !
-اتسعتْ ابتسامته وهو يقولُ : لا تقلقي أسناني قويةٌ ..
- لكن عندما تتسلّلُ هذه الحبّاتُ لشذراتِ روحكَ هديةً في صندوقٌ أيبضٌ صغيرٌ مغلفةٌ بشريط مُضمّخ بورودِ الفلِ والياسمينِ، تتقاسم فيهَا شعور الاستمتاعِ مع روح تحبُّ لكَ ماتحبّ لنفسها .. حتى تلكَ الجُرعات الزائدةُ لن تسبب لكِ الألم في أسنانك .. أو تعرفُ لماذا ؟
أسرعتْ تمسحُ آثارَ دموعهَا وهي تغمغمُ : لأن من يقاسمك حبّاتِكَ سيأخذ بيدكَ كل ليلة قبل النومِ .. لتُنظفَ أسنانكَ! وهكذا لنْ تؤلِمكَ ...
اقترب منها ونظرَ لها متأملاً ثمّ قال: كيفَ أجربهَا إذنِ ؟
هزتْ كتفيهَا ضاحكةً : قلتُ "تتسللُ" الى روحكَ هديةً...
رمقهَا ﺑﻨﻈﺮﺓ جانِبية لاحظَ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﺍﺭتِباكها فقالَ: أنتِ من أهداكِ هذا؟ منْ قاسمكِ ؟ منْ أخذَ بيدكِ لتنظفي أسنانكِ؟
رفعتْ رأسها بعدَ أنّ أخذتْ نفساً عميقاً : أحياناً يُهديكَ كثيرونَ .. ربما تَكون حبّاتهم فاخرة ... من أرفعِ وأحسنِ الحبّاتِ جودةً .. تُجربها، تتذوقهَا لكن شعورُ الاستمتاعِ لا يتسللُ لرُوحكَ .. بلْ ربما تحسُ بمرارة وأنتَ تتذوقُها! هنا... أتعرف لماذا ؟ لأن منْ أهداكَ إيها نَسِيّ إنّ يغلفَ حباتَهُ باحساسهِ ... بصدقِ شُعورهِ ..صندوقهُ ليسَ بأبيضَ ، ورودهُ بلاستكيةٌ كاذبةٌ لا عطر فيهَا ...!
وهذا طبعاً لن يأخذكَ لتنظيفَ أسنانكَ ... سيذهبُ وحدهُ ...
أضافتْ قائلةً : أو ربما لن تصلَ لمرحلةِ غسلِ الأسنانِ ! لأنك لن تأكلَ جرعات زائدة !
رسمَ على شفَتيهِ إﺑﺘﺴﺎﻣﺔ وهو يقُولُ بِهدوء :جميلةٌ هذه المشاعرُ.. رقيقةً وعذبةٌ.
أخفضتْ بصرهَا وقد توردا خديهَا خجلاً ... أبعدَ بصرهُ عنهَا مكملاً كلامهُ ... " وأنتِ هل تردينَ جرعات زائدة ؟ "
رفعت رأسهَا إلى السماء وأجابتْ بعد أن طالَ صمتهَا وهي تعضُّ على شفتيهَا تفكرُ : عندما تتسلَلٌ لأعماقي حباتٌ في صندوق أبيض صغيرٌ .. عندما أتذوقها لا أحس بمرارة في الحلقِ .. عندما تُغلفُ بصدّقِ المشاعرِ قبل البحثِ عن فخر وفخامةِ النوعِ ... عندمَا يشدّ على يدي طفلةً صغيرةً رافضةً أن تغسلَ أسنانهَا ...
عندها ...لن أخافَ من تناولِ جرعات زائدة !
فردّ مدعباً : كلامُ هذه الطفلة الصغيرة أكبرُ من عُمرها يبدو!
نهضتْ واقفةً وهي تردّدُ متلعثمةً : الطفلةُ بداخلهَا أبتْ أن تكبُر .. رغم أن العمر أخذ من ربيعهَا سُنونَ ...
ثم تنهدتْ قائلةً : خلاصةُ القول لا تنسى أنّ تنظفَ أسنانكَ ولا تكثر من أكلِ الشوكولاَ حبةٌ واحدةٌ تكفي .. لا داعِي لتناولِ أربعة حبات مرةً واحدةً!!
وقف بعيدا منها فوق الرصيف ضاحكاً يرمُقها بنظرةِ استغراب وهو يقولُ : ﺃﻗﺮﺃ ﻓﻲ عينيكِ أفكاراً ﺷﺮﻳﺮﺓ ... ﺃﻻ تنوينَ مُشاركتي بها ؟
ابتسمتْ ابتسامةً ﺑﺎﻫﺘﺔ متمتمةً : ﻟﻴﺴﺖ شريرةً ﺗﻤﺎماً ..لكني دائما كنتُ أفكرُ بأن حياتكَ حافلةٌ بالكثيرِ ممّا ﻻ ﺗﺮغبُ ﻓﻲ قولهِ!