وحين يضيق بنا العالمُ بكلّ ما فيه , تبقى الكتابةُ هي المُتنفسُ.

وحين يضيق بنا العالمُ بكلّ ما فيه , تبقى الكتابةُ هي المُتنفسُ.

vendredi 27 novembre 2015

إلى الغائب الذي بقلبي




لذلك الّذي صنعَ من الصّباحات ورودًا وقطع حلّوى وأغنيات ومطر...وغاب.. ماذا عن الصّباحات؟ الّتي لم تأتي بكَ و أتتْ بكمّ هائَل من الألم؟
ماذا عن تلك الأيام الّتي غلّفتها أوشحةُ الحُزن و الّليالي الّتي غشّتهَا النّسماتُ الباردةُ المحمّلةُ برائحة الفقد والخَذلان؟
أو تَعلم أنّي كنّتُ أرسلُ لكَ صباحَ الخيّر مع نسمات الصّباح الباردة، في أشعة الشّمس ، مع زقزقة العصافير و على ظهر الفَراشات كنتُ أرسلُها، في السّماء كنتُ أكتُبها بالغيّم! كانت كلماتكَ تتسربُ إلى خلَجَات قلبي كغدير زهر ينسَابُ برقةً، كنهر ياسمين يتَدفَقُ بنقَاء وتتَركَامُ هناك في الأعمَاق كترسُبات السّكر في أخر الفنجَان.
كنتُ أسمعُ صوّتكَ فتتفتّحُ البنفسجياتُ في تصدّعات قلبي وتغرّدُ العنادلُ في ثناياهُ ، يهطلُ غيثٌ في أروقتهُ و تخّضر حقولهُ و تزّهرُ بساتينُ النّرجس و الأقحُوان في أرجاءه.
ماذا لو تسلّقتَ سورهُ العالي، دخلت غرفتهُ الشّاحبة، نفظتَ غبار الفقد و الإشتياق عنها فتعمّ زقزقةُ السّنُونوات الغائبة و تنتفضُ الحياة في تشقُّقات أسوره؟
ماذا لو تأملتهُ قليلاً ، مسحتَ الحزن عنه، ابتسمت لهُ فتشرقُ شمسكَ عليه فيذُوب سعادةً؟
ماذا لو أخذتهُ بين يديكَ ، ضمّدت جراحه بدعاءكَ، دثّرتَ خوفهُ من الفقد بقربكَ، نظمّتَ خفقاته المظطربة باهتمامك؟
أعرفك أنّك لن تفعلَ...
فلتواصل الغياب...
و سأواصل الكتابة لغائب عن واقعي و حاضر بقَلبي.

mercredi 18 novembre 2015

لحظة فارقةٌ




و فِي حياةِ كلّ شخص منا لحَظةٌ فَارقةٌ..
لحظةُ سعادة متّرفة و دهشَة هائلة، لحظةٌ اجتاحَت جَوانب الأفئدةِ فلّتهَبت فرحًا أبيضَ التفاصيلِ، غلّفتْ ثنايا الروح دفءً و نشوةً، أحيّت القلبَ و لوّنتهُ وسقتهُ من البهّجةِ كؤُوسًا. 
و هناك لحظةُ ألم وحشيّة بقتْ فينا نازفةً، أسقطَتنا أرضًا بأرواح مُشرذمة و قلب مكسُور ، لحظةٌ تَحوّلنا بعدها كتلةً جامدةً من الأحزانِ والهُموم و حجبَت عنا نُور الأملِ والاطمئنانِ.. 
لكنها ربما كانت كحقنة تَخدير لها مفعُولٌ دائِمٌ مع أيام العُمر حتّى نتجاوز بعدها كلّ ألم دونَ أنّ نشعر بِه.
فكل شيء مضينا به يترُك فينا أثرا، كلّ ما تلتَقطهُ الذاكرة لا تنساهُ يبقَى هناك مُخبأ في أدراجها.
كلّ ما اجتَاح القلبَ يبقى كالشّرخِ العَميقِ وسطهُ لا يمكن لزمنِ أنّ يُزيلهُ.
كلّ منا يَعلمُ جيدًا أنّه لا يُمكن أنّ يحّفظ فِي كِتاب حياته فقط تلكَ الصّفحات الّتي تحملُ لحَظات جَميلة و يلّغي مِنه المحمّلةَ بالألمِ و يعوّضُها بأخَرى بيضاءَ !
فلا وجود ل"صفحة بيضاء" بينَ مراحلِ العُمر، كلّ ما علينا أنّ نتعلمهُ كيف لا نقِف عند الألم فَننسَى أنّ نشرّع نوافذ الأمل و الفرحِ أو أنّ نبقى في حَسرة دائمة على لحظاتِ السعادةِ الّتي مرّت فيمرّ الفرح من أمامنا و لا نراه، يجب أنّ نتعلمَ كيف نكّملَ السّير في الدّربِ حاملِين هَذا و ذاك..دون أنّ نقف!

samedi 14 novembre 2015

تبحثُ عنه



فِي ظلّ كلّ هذهِ المعّمعَة في العالمِ و في ظلّ كلّ هذهِ الفُوضى الّتي تلّف أروقةَ صدرهَا
مع كلّ هذهِ الأوراقِ المكدّسةِ أمامهَا و مع كلّ هذهِ الكُتب الّتي تحيطِ بهَا تحت هوّلِ الأسئلةِ الّتي تدّق في رأسها و تحت وطأةِ فاجعةِ الإجاباتِ الّتي تراها واضحةً جاليةً أمامهَا و تحاولُ أنّ تتجاهلها بين بعثرةِ الأصواتِ الصّاخبةِ الملازمةِ لها وبين مطبّات طرقاتِ المدّن المُكتظةِ بداخلهَا مع كلّ الأحاديثِ المؤجلةِ بفعلِ المُكابرة والكبرياءِ و مع كلّ الكلماتِ المعلقةِ بين الحلّقِ و الفمّ لا هي تقال فتنصِفُها ولا تدّفنُ هناك في القلبِ فتنساها تحت شُحوبِ الصباحِات الّتي لم تأتِي محمّلة بهِ و تحت انحناءاتِ الورودِ الذابلةِ بفعل الغيابِ مع الهوّة العميقةِ الّتي بينها وبينه و مع السدّ العالِي الّذي يقسم أرضهَا عن أرضهِ في ظلّ كلّ هذا مع كلّ هذا تحت كلّ هذا بين كلّ هذا و رغم كلّ هذا ! تبحثُ عنهُ بفزع، بخَوف، بإشتِياق، بقلَق، باضطِراب ، بحنين، بشغّف وبحَرقة ! تبحثُ عنهُ بفزع أمّ تفتش عن صغِيرها تحّت أنقاضِ وركَامِ تفّجِير أصاب منزلهم. تبحث عنهُ بخوفِ طفلة صغِيرة على دُميتها أنّ تَضيّعَ منها. تبحث عنهُ بإشتياقِ الأرضِ لغيمة ممّطرة تبلّلُ روحها نقاءً و فرحًا. تبحثًُ عنهُ باضطراب دقّاتِ قلبِِ فتاة تتخبطُ في عشّقِ رجل مُستحيل الوصُول اليهِ و حبّه خَطيئةٌ.
تبحثُ عنهُ بحنينِ مُغترب لبيتهِ و لاجِئ لوطنهِ ومنّفي لأرضهِ. تبحث عنهُ بقلق أستقرَ في عيُون تائِه في عمّقِ الظّلامِ يبحث عن مكان أمِان يأوي إليهِ. تبحثُ عنهُ بشغّف و لهفةِ طفل يتِيم لأبويه. تبحثُ عنهُ بحرقة امرأة حامل فقَدتْ لتواهَا جَنينها. تواصِل البحثَ و في دواخلهَا دقّة تنتَفضُ وعقلهَا يصرخُ بصخب : "قلت لا تدخله ! لا تدخلهُ! "

mercredi 11 novembre 2015

لذلك كانَ لهم النّصيبُ الأوفرُ من الشّقاءِ



من يفهَم تَعب عيونهم الّتي تبحثُ بصدّقٍ فاجعٍ عن شخص ضاعَ منها؟
من يسمعُ ذاكَ الصوّتَ الصّارخُ الّذي يزّعقُ في جوفِهم كصوّت مسجون في حنجرةِ أبكَم؟
من يحضنُ أرواحهم التائهةِ الّتي ﺗﺮكضُ ﻓﻲ ﺑﺎﺣﺎتِ ﺍﻟﺤﻴﺎةِ هائمةً، ﺣﺎفيةَ ﺍﻟﻔﺮحِ؟
من يسكت اضطراب خفقاتهم الّتي أتت عليها الحياة بكمّ كبير من الانكسارات ؟
من يحضنُ ارواحهم المتّعبة الّتي تتأوهُ تحت أنقاض الحياة؟
من يضمّد جراح زمنهم ويخمد نيران أفئدتهم المتقدةَ؟ 
من يصلُ لأعماقهم ...هناكَ حيثُ تكدّست رسائل قديمة أبت أن تصل الى بريد السماء؟
من  يجيبُ عن أسئلتهم الّتي بقيت معلقةً منذ زمن في عقولهم وظلت تنفُث سمومها و تلّف ملامحم بضباب أجوباتها؟
من يلملم شُتات سنينهم المُرهقَة، المُتّعَبة من الركض حافيةَ الأمل و عاريةَ السكينة في دلاهيز الحياة؟ 
من يفهم تلكَ الاحاديث الغائمةَ في أعيونهم ؟
من يعيدُ لهم الأبتسامة الورديةً على ثغرهم ؟
من يزّرعُ في دربهم ورودًا فيزّهر وتزّهر معه أيامهم المُتبقيات؟ 
من يحقّقُ أحلامهم المُؤجلة و أمنياتهم المُلّقاة في أدارج الانتظار؟ 
من ينزع من حلقهم تلك الأشواك الّتي زرعتها مرارة غدّر الأحبّة و خذلان الأصدقاء ؟
من يكفّف تلك الكلمات الحذرة من الانسكاب على الخدّ ؟


هكذا هم بعضُ البشرُ خلِقوا بِطاقة رهيّبة لصبر، لذلكَ كانَ لهم النّصيبُ الأوفرُ من الشّقاءِ!

ابتعد ..لترى الأشياء من زواياها الأخرى




البحرُ الّذي يُطربنا صوّتُ أمواجهِ و نتغَنى بزرقتهِ، البحرُ الّذي نَرى فيهِ ملاذًا و متنفسًا لأرواح أزهقَتها ابتلاءاتُ و همومُ الدُّنى، و هو الّذي نَعتبرهُ حضنًا دفءً ندّثرُ به أجسامًا ترتجفُ حزنًا .. هذا البحرُ هو ذاته السببُ في قطعِ وتِينِ الحياةِ لأرواح جائعةً فارقها الفرحُ منذ عشّرِ طلقات وسبّعِ قذائفَ و قنابلَ، أرواح أرهقتهَا أوطانُها تركضُ فيها هائمةً الجسدِ، عاريةَ الأملِ، حافيةَ الأمانَ جوفاءَ السّكينةِ، أرواح لجأتْ لهُ تحلمُ بالطيبِ العيشِ والسّكونِ ليبتلعَها و تلفُظَها أمواجهُ جُثث خاويةً من الحياةِ، أضاعتْ أحلامهَا بينَ يابِستينِ لتبقى معلقةً بين زُرقتين! 

اللّيل الّذي يعني لنا الهُدوءَ والراحةَ، السّكونَ و الطمأنينةَ، اللّيل الّذي يترنّمُ به العشاقُ و يحلُو فيه حديثُ المتحبّينَ الصامِتين ، ذلك العَالمُ بِسوادهِ السّرمدِي هو نفسهُ الخوفُ والفزعُ لطفل بعمرِ الزّهورِ تاه عن بيتهِ، افترشَ الأرصفةَ والتحفَ السّماء يلّتفتُ يمينًا وشمالاً مذّعُور كالشّاةِ الضّالةِ عن قطِيعها، في هذا اللّيلِ أمٌّ تائِهةٌ في اضطِرابِ نبضتها، امتلأتْ عينيهَا بالأحادِيث الغَائمةِ ترفَعُ كفّيها تستنجد بارِئها أنّ يحرّرَ لها فلّذةَ كبِدها المُعتقلَ و أنّ يأتِي لها بأخر حُسب في عدادِ المفقُودين في الحربِ! في هذا اللّيل نفوسٌ أثقَلتها الذّنوبُ و تبعثرتْ خطواتها في طريقِ الحقّ ، ألهبتْ الأحزانُ جوانبَ أفئدتها فلاذتْ في حِما ربّها مستغيثةً تائبةً.

 الشتاءُ ماذا يعني لكَ ؟ زخّاتِ مطر؟ كوبُ قهوة ساخنة و أغطية صُوفية و دفء؟ رائحةُ الأرضِ بعد ليل ممّطر ؟ غيومٌ مكفهرةٌ ومراقبةُ اضطراباتِ البرقِ في السّماء؟ الشّتاءُ الّذي نتغنى بهِ و يحلُو فيه النّومُ و الاستيقاظُ علي وقّعِ حبّات المطر، هذا الشّتاء الّذي يعني لنا مشروبًا ساخنًا ﻋﻠﻰ النّارِ يحلُو مذاقُه ﻣﻊ ﺯخّات ﺍﻟﻤﻄﺮ ..معطفٌ ثقيلٌ ﻳﺪﻑءُ رعشةَ ﺍﻟﺒﺮدِ ﻓﻲ أجسدنا ﻭ ﻣﻮﺳﻴﻘﻰ ﻫﺎﺩئةً.. في هذا الشّتاء هُناك... في بقعةً ما على هذه الأرضِ أرواحٌ أتخذَتْ الأرضَ سريرًا و السّماء غطاءً ، عُرةً، حُفاةً، جياعًا... يمشُون في الطُرقاتِ بِملامح تشبهُ كوخًا قديمًا نهشهُ الزّمان...يفتشُون بين الأرصفةِ عَن شيء يخمدُ بردًا يُنهك أجسدهُم وجوعًا ينخِرُ عظامَهم... هذا الشّتاءُ هو نفسهُ سببُ رحيلُ الكثير ممن لا مساكنَ ولا معاطف لهُم. 

نحنُ لا نبصِرُ الوجهَ الآخرَ للأشياءِ، نبصِرها ﻣﻦ ﺯﺍﻭيةِ ﻧﻈﺮتنا ﻭ ﻭفقَ ﺭﺅيتنا ﻓﻘﻂ.. فنحنُ لا نراهَا كما هي بلّ كما نُريدها أنّ تكون، لا على حقيقتهَا بلّ وفقَ ما تسمح لنا ظُروفُنا وأهوائُنا وعلاقَتنا بالأمرِ ... في حين أنّ الزّوايا الأخرى لها مُحزنةٌ و أحيانًا مفرحةٌ .. فعندمَا ﺗﻜﻮﻥ ﺩﺍﺧﻞ منزلكَ ﻫﻞ يمكنُكَ ﺃنّ تراهُ من الدّاخل و ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺎﺭجِ وأنت قابعٌ في نفسِ المكانِ؟
هل نظرتكَ لمكان ما كنّتَ فيه مُبّتهجٌ هي نفسُها نظرتكَ لهُ و أنت مكتئبٌ ؟
هل بإمكانكَ ﺃنّ ﺗﺮﻯ ﻭﺍجهةَ الكتابِ ﻭ ﺩﺍخلهُ ﻭخلفهُ ﻓﻲ نفس الوقتِ ؟

ابتعدّ قليلاً ﻟﺘﺮى الأشياء ﻣﻦ زواياها ﺍلأﺧﺮى ﺍلّتي غابتْ عنكَ!

mercredi 4 novembre 2015

قصّةٌ لم تكتمل




دخَلتْ عليهَا الغُرفةَ .. و بِهدُوء أغلقَت البابَ وراءها ...جالتْ بعينيها في أرجَاءِها لِتجدَها هناك في الزاويةِ بعيدًا عن سرِيرها، تفتَرِشُ الأرّضيةَ، متكورةً على نَفسها بوضع جنيني، انطَوت وانكَمشَت و دفنتْ وجهها بين رجليهَا علّها تُخمدُ شَيئًا من لهيبِ وجعها الّذي شَتّتَ شَذرات رُوحها بعد أنّ لطمتها الحياةُ أرضًا، كان جَسدها يرتجفُ وينتفِضُ بقوة كعصفورة أغرَقها المطرُ، اقتربَت منّها فسَمِعت صوتَ نهَجاتِها و رأتها تعضُّ على قُماش قَميصها تسكِتُ الوجع الصّارخ في قلبها لحظات ثمّ تعود لتنتحب ، فتتسارع أنفاسها وتتعالَى شهقَاتُها...دَنتْ أكثر ثمّ جلستِ قريبًا منّها 
لتحّنُو بينَ يديهَا وفي عيّنيهَا بعض دمع وقمرٌ حزينٌ مغمغمةً :
" لماذا تَرحُل الأشياءُ الجميلةُ بِسُرعةٍ مِن عَالمنا مُخلفةً وَراءها ضَجيجًا هائِلًا ورُكام!
لماذا تأتي الأشياءُ السّيئةُ دُفعةً واحدةً فتُشتّتُ نَبضاتِ القَلبِ و تخنقُ الفرحةَ فِي آخر رمَقِ منهَا ! 
لماذا يَغتلونَا أحلامنَا الورديّةَ على مراءً منْ أعيُنِنا ؟ لماذا نعيشُ بأحلام مقتولةً فينا؟ لما تموتُ أمنياتٌ بنقاءِ السّماءِ تحتَ أقدامِ عرفِكم وتقاليدِكمِ ؟ "
حدّقتْ في عَينيهَا، أزحتْ عن خَدّهَا بقايا الدمع ﻭكثيرًا ﻣﻦ الألم و همَستْ لقَلبهَا:
"الحياةٌ يا صَغيرتي محَطاتٌ بَعض منها يحمل كَثيرٌا من الألَم .. وكَثيرُهُ بعضُ أمَل .. لمّلِمي هذا الحزنَ الخافتَ في مقْلتيكِ، ﻭﺃﻓﺘﺤﻲ شُرفاتِ التفَاؤلِ..و لا تكّفِي عنْ نسجِ أحلامكِ عُشًا ، فقَد تأوي إليهِ يَوماً بعضُ الطّيورِ البيضاءِ فرِحًا تلقي زقزقةَ سَلام على روحهَا فتنّتفضُ فيها الحياةُ... فقلبكِ يا صَغيرتِي زهرةُ بنفسج، بل أكثر من زهرةً ، قلبُكِ ربيعٌ نقيٌّ أخضرٌ، صندوقٌ مضمّخٌ بورود الفلّ واليّاسمينِ لا تدعيهِ للحزنِ يا صغِيرتي، لا تترُكيهِ لخيباتهِ فيذبُلَ...!"
رفعتْ يديهَا وأخذت تمسحُ على شعرهَا برقَّة و تربّتُ على كتفيها بعطّف مواصلةً : 
" اربِطي صندوقكِ هذا بشريط اليقينِ باللّهِ، وستُداعِبهُ نسماتُ الايمان، لتخّمدُ نيرانَهُ المُّتقدةُ، تطبطب على أوجعِه وتخبرُه إنّه مهما طالَ البلاء ستفرج بإذن الله!"

mardi 3 novembre 2015

في قلبي وجعُ صَديقة




أخبرتني يومًا والدّمع ينهمرُ كالسّيل من عينيها، كيف أنّ انكسارهَا تلك الّليلة لا يمكن أنّ يُنسى، كان أكبر منّ أنّ تَصفهُ كَلمات صَفراء و قصائدُ شاحبةٌ، الحُزن الّذي أعترى شَذارت رُوحها تلك الّليلة  لا يمكن أنّ يُحّكى، كان حزنًا يأكُل القلب و يحرقُ الوجّدان ...
"- وكيف حدثَ هذا ؟
  - لا أدري...
الأمر يُشبه الخراب المُدمّر الّذي تُحدِثهُ العواصفُ الهَوجاءُ في معالمِ المُدنِ...كانجرافات الأراضِي الّتي تُخلفهُا اجتياحُاتُ السُيولِ... كبعثرة أوراقِ الشجرِ إثرَ رِياح عاتية... 
كان القلبُ  يَنتحبُ في صَمت يا صديقة، كنّت أحاولُ جاهدةً أنّ لا يسمع أحدًا الخَفقات المُتلاطمةَ في قلبي كتموّج اضطرابات البَرق في سمَاء ليلة مُكفهرة، كُنّت أحاول أنّ ألمّلم شُتاتَ روحي بما استطعتُ من هُدوء وسُكون، كنّت أحاول أنّ أبقى صامدةً رغّم أنّي هشّةٌ كورقة خَريف آيلة لسقوط مَحتُوم، كنّتُ ابتسمُ في وجُوههم والابتسامةُ علقمٌ ترتعشُ لها شفتايّ فلا تقْويَان عليها، كنّتُ أحاول التّحدث إلا أنّ الكلمات تغصّ كالشوّك في حلّقي، كنّت أرفعُ رأسي أسرقُ نظرات منهم محاولةً أنّ  أخفي الوجعَ المائجَ في مقلتيّ، كانت الأسئلةُ تدّقُ في رأسي كالساعة ولا تنفكُ تنفثُ سُمومها بعقْلي، كنّتُ أحاول قتّل الذّكريات الّتي تتّسللُ على غفلةً تجوب رأسي و تنهالُ على جثتها الرَابضة بعقلي بمزيد منّ الضربَات، ضربات أسمعُ معها صرخات قلبي فتغُصُّ الدّموعُ في عينايّ لتنهمرُ دفعةً واحدةً...
-
وأستعطتي أن تصّمُدي ؟ أستعطتي أن تقَاومي كلّ هذا؟
-
كنت طوال الوقت أردّدُ في نفسي "لنْ استسلام، لن أستسلام" فأن فواجعُ العواصفِ تُشيّدُ منَ الدّمار بُنياناً، مُخالفاتُ السيولُ تنبتُ الأزهار، سقوطُ أوراقِ الخريفِ هو مولدُ أخرى في الرّبيعِ...
 عندهاتعلمتُ ﻛﻴﻒأشعلُ قبساً من الأملِ كلّما أثقلتْ كاهِلي ﺍﻟﻬﻤﻮمُ و ﺃتعبتني مشاغِلُ الدّنيا...  تعلّمتُ أيضا أنّ مع كلّ انكسار أُضيف لقائمة أوجاعي وخيباتي كيفَ أنزعُ الشوّكَ المزرُوعَ في حلّقي بيدي بعيدًا عنّ أعيونهم، تعلّمتُ كيفَ أقدّمُ يدَ العوّن لتلك التائهة بداخلي وأسَاعدُها على النّهوض كلّما أسقطتهَا الحياةُ أرضًا، تعلّمتُ كيفَ أبّتلعُ الغصّاتَ المُغلفةَ بأوجاع هَائلة دُون أنّ تنّزفَ أمامهم كلمةً على شكّل مَاء، تعلّمتُ كيفَ أحتضنُ نَفسي بنفسي، أيقنتُ بعدهاأنّه مهمَا كثّرَ عددُ الّذين يدّعُون الحبّ والوفاءَ والصّدق بحياتي أنّ لا قوّةَ لي إلاّ بالله.
فلتَعلمي يا صديقة  أنّه حين يزّرعُ في قلبك حزنٌ أنّ الحياةَ لا تتوقفُ إلاّ في عينيك,..أمّا في الحقيقة فهي كتابُ فُصول مُتعاقبة يمضي غير آبه أنّ كان بقلبكَ الخريفُ أو الرّبيعُ !

_______________________________

وحدك يا ربّ  تعرف عمّق جُراحها، دُسّ في جُيوب فُوائدها أملاً ويقينًا، ضَمّد جراحَها و دثّرها بدفء قُربكَ وأصلح اعوجاجَ خفقات قلبها...كنّ معها يا ربّ وخفّف عنها مَصائب الدّنيا وابتلاءاتها و لا تتركها للحزن لحظةً فتذّبلَ وتنكسرَ !

lundi 2 novembre 2015

اثنان وعشرون عامًا





كبرتُ
--------
ﻟﻘﺪ ﻛﺒﺮتُ ، ﻭأصبحَ ﻋﻤﺮﻱ إثنانِ ﻭﻋﺸﺮﻭنَ ﻋﺎماً...
هذا الرقم الّذي عليهِ أنّ يشّبهَ ﺗﺼﺮﻓﺎﺗﻲ ، ما أقولُ وما لا أقولُ، شكلي وطريقةَ لباسِي، ﻧﺼﻮﺻﻲ و كتاباتِي، ﻋﻼﻗﺎﺗﻲ في المجّتمعِ ومشاعري تجاه الآخرينَ...!
أنا تلك المرأةُ الموسميةُ الّتي حينَ تدّخُلُ مواسِمَ الصّمتِ ﻻ تتحدثُ ﺑﺴﻬﻮﻟﺔ ، تلكَ الّتي تتهورُ في قرارتهَا ثمّ تقفُ في منتصفِ الطرقِ بينَ تريدُ ولا تريدُ .. كمنْ يُغّرسُ في حلّقه خنجرٌ .. أنّ أقدمتْ خسرتْ من حولهَا وبدّتْ كمقاوم ألقى بسلاحهِ وخانَ وطنهُ والأرضَ الّتي حملتهُ في معركة شرسة... و أنّ ابتعدتْ خسرتْ نفسهَا و أطفأتْ في مقلتيهَا نجّمتينِ وفي سماءهَا قناديلَ أملاً و فرحاً !
إثنانِﻋﺸﺮﻭﻥ ﻋﺎماً ... ﻭﻻ ﺯﺍلتْ التفاصيلُ الصّغيرةُ تبعثُ اللّهفةَ في رُوحي، تشتتُ نبضاتِ قلبِي وأحياناً تبعثرُ في دواخلِي حكايةَ سكوناً موجعةً .
إثنانِ وعشرونَ عاماً ... ولا زالتْ أقلُ ﺍﻷﺷﻴﺎءِ أهميةً ﻭأكثرهَا تفاهةً تحركُ في داخلِي مواجاتِ فرحاً و بهجةً لا متناهيةً و أحياناً تدخلُني في نوباتِ حُزن واكتئابَ ﺷﺪﻳﺪةً.
إثنانِ ﻭﻋﺸﺮﻭنُ ﻋﺎماً ...ولا زلتُ أشعرُ بالاختناقِ في الأماكنِ الّتي تضجُّ بالنّاسِ و ﻻ أتذوقُ طعمَ الراحةِ ﺇلاّ ﺩﺍﺧﻞ غرفتِي، مبعثرةً بينَ دفاترِي وأقلامِي، مكوّمةً ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻲ، ﺃﻛﺘﺐ ﻋﻦ أحلامِ مؤجلة وأمنياتِ مبتورة و أشتمُ العرفَ والمجّتمعَ، ﺃستمعُ لموسيقى ﻻ ﺗﺜﻴﺮ إعجابَ أحداً وأتاملُ صوراً باليةً مهجورةً مرميةً في أدراجِ الذاكرةِ.
إثنانِ وعشرونَ عاماً... وﻻ ﺯلتُ كلّما خيّمَ اللّيلُ وحانتْ ساعةُ الإخلادِ إلى الفراشِ، وضعتُ رأسِي على الوسادةِ وأخذتُ إسترجعُ المواقفَ والأحداثَ وشريطَ سنينَ مضتْ ولا مجال لعودتهَا، ينبعثُ لهيب الألمِ و يظطرِمُ جمرِالإحباطِ جاذعاً...
إثنانِ وعشرونَ عاماً ...وﻻ ﺯلتُ ﺃﺣﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻛﺘﻔﻲ ﺣﻠﻤﺎ سَماويّ أﺳﻌﻰ ﺇﻟﻰ تحقيقِه بكلّ ﻣﺎ ﺃﻭتيتُ ﻣﻦ اشتياقاً و لا زلتُ أخبئ لهُ قسطًا من دعائي وأدّسهُ ﻓﻲ بريدِ السّماءِ، منتظرةً متيقنةً بجميلِ الردّ.
إثنانِ ﻭﻋﺸﺮﻭﻥ ﻋﺎماً .. ﻫﺬﺍ ﺍلرقمُ كفيلٌ ﺃنّ ﻳﺠﻌﻠﻨﻲ أغمضُ عيناي ﻟﻮهلةً .. أدُسّ في معطفي قمراً من الأمل يضيءُ لي بقيةَ الدّرب..ألمّلِمَ شتاتَ السُنونِ وأبنيهِ ... ﻭ ﻫﻮ رقمٌ كفيلٌ بأنّ ﻳﺠﻌﻠﻨﻲ ﺃتصالحَ مع ﻧﻔﺴﻲ، ﺃﻣﺎﺭسَ الرياضةَ الّتي أُحبّ، ﺃﺗﺨﻠﻰ ﻋﻦ كلّ ﻣﺎ ﺑﺄﻣﻜﺎﻧﻪ ﺃنّ ﻳﻘﻮﺩﻧﻲ ﻧﺤﻮ دوامة منْ الأسئلةِ، أنّ أثُور ﻓﻲ ﻭجهِ الذّكرياتِ الموجعةِ ، أنّ أعيدَ ترتيبَ الأمنياتِ، أنّ ﺃشطُبَ بعضاً ﻣﻦ ﺍلأحلامِ وأنّ أُقصِي ﺟﺰءً ﻣﻦ الماضِي الّذي ﻻ أُريدُ ﺃنّ ﻳﺤﻤﻞ المستقبلُ في شقوقهِ ﻭﻟﻮ جزءً صغيراً منهُ ..
إثنانِ وﻋﺸﺮﻭنَ ﻋﺎماً .. بعضُ المواقفٌ تركتْ في القلبِ غصّةً وقتلتْ اللّهفةَ بداخلي وأخرى أفقدتني الاحساسَ ﺑﺎﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻮﺍطِف، إلاّ ﺃنّ إحساساً بالمحبّةِ والسّعادةٌ العارمةً مازال يتغلّغلُ في ثنايا قلبي كلّما مُنحْتُ وردةً ، مازالَ شعورٌ بإطمئناناً وراحةً لا توصفُ يتسلّلُ إلى شذراتِ رُوحي ، يبعِدُ عنهَا كلّ ما يعكّر صُفوهَا ويُؤلمها، كلّما فرشتُ سجادتِي في أواخرِ ليلاً ووقفتُ بينَ يديّ البارئ.
إثنانِ وعشرونَ عاماً ...ولا زالتْ الكلماتُ تخونُني، ينعقدُ لِساني وتقفُ الحروفُ معلقةً في حنجُرتِي كلّما رأيتُ دمعاتِ أمّي.
إثنانِ وعشرونَ عاماً .. ولا زلتُ غير قادرةً على مسكِ دموعي كلّما إنغرست سكاكينَ كلماتهمُ في القلبِ و نفثتْ سُمومها في داخلي .
إثنانِ وعشرونَ عاماً ... ولا زلتُ أفقدُ القدرةَ على الكلام، رغم أن القلب تُخّم بالأحاديث، وأصابَ بالدّهشةَ أمامَ تلكَ المواقفِ الحساسةِ الّتي يكونُ فيه الكلامُ أولويةً قصّوى لا مفرْ منهُ ، يجب أن أقوم بها و مع ذلك تغصُّ الكلماتُ في حلقِي وتأبى الخروجَ.
إثنانِ وعشرونَ عاماً .. ﺃشعلُ كلّ عام شمعةً وأطفئ أخرى باهتةً، دونَ أنّ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻲ ﺃﺣﺪ ﻭﻳﻘﻮﻝ ﻟﻲ : كلّ عام وأنتِ بخير، ﻭ ﺩﻭﻥ ﺃﻱ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ لتصنّعِ الدّهشةِ و الفرحِ أمامَ ﻣﻔﺎﺟﺄةً لحفلةِ عيدِ ميلادً..
إثنانِ وعشرونَ عاماً ... عمرٌ أستقبلتُ كلّ سنينهِ ﻋﻠﻰ مهل بينَ الدّفاترِ والإقلامِ الّتي عاشتْ معِي وحملِتْ هفواتي و أحلامي و ضمّتْ ألمي وسعادتي وكفّفتْ دموعي فرحاً كانتْ أمّ حزناً.
إثنانِ وعشرونَ عاماً ... ولا زلتُ أنثى تحلمُ بحياةِِ ليستْ كحياةِ من حولها ومن قبلهَا .. حياةٌ مختلفةٌ ...!


حبّاتُ الشوكولا




حبّاتُ الشوكولا
----------------------------
خرجَ من القاعةِ ﺑﻌﺪ خُروجهَا ﺑﺪﻗﺎﺋﻖ ﻗﻠﻴﻠﺔ .. بحثَ مطولاً ﻋﻨﻬﺎ ليجدها ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ تجلسُ وحيدة على أحدى الأحواضِ الحجريةِ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ بالحديقةِ .. تنشدُ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺪﻑءِ ﻣﻦ ﺣﺮﺍﺭةِ الشمسِ ..تراقبُ ضحكاتِ الأطفالِ ومشكاستهمْ تارةً وتتأملُ السماء طورًا.. جلسَ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺒﻬﺎ قائلاً: أتُغادرين القاعة تاركةً الجميعَ خلفكِ في يومكِ هذا فقط ل... قاطعتهُ قائلةً: 
- أو تعرفُ أن الورد وأطواقهُ عشقٌ أخضرٌ ، البحرُ والسماءُ عشقٌ أزرقٌ ، الأطفال وضَحكاتهم عشقٌ أبيضٌ!
- وماذا عن العشقِ الأحمرِ ؟ ردّ ضاحكاً. 
- أجارنا الله منه .. تمتمتْ بها و قد زينتْ ثغرهَا ابتسامةٌ ورديةٌ. 
فأجاب ضاحكاً : آمين ...!
أردفتْ مُمازحةً : لاَ أنت يجبُ أنّ تجربهُ ! 
- لكن ماهو ؟ 
ﺃﺧﺬﺕ نفساً عميقاً بعد أن طال صمتهَا وهي ﺗﻘﻮﻝ:
شيء ما كحبّاتِ الشوكولا تأكلها تستمتعُ بها .. تعجبك ، فتكثرُ منها .. تأخذُ جُرعات زائدة فتسببُ لك التسوس ..
رسمتْ إجابتهُا على وجههِ ابتسامةً نقيةً فقال: طيب .. موافق أنّ أجربهُ ! 
لتردّ بانفعالاً مفاجئ : ماذا عن التسوس ! وجعُ الأسنانِ مؤلمٌ جداً ! 
-اتسعتْ ابتسامته وهو يقولُ : لا تقلقي أسناني قويةٌ .. 
- لكن عندما تتسلّلُ هذه الحبّاتُ لشذراتِ روحكَ هديةً في صندوقٌ أيبضٌ صغيرٌ مغلفةٌ بشريط مُضمّخ بورودِ الفلِ والياسمينِ، تتقاسم فيهَا شعور الاستمتاعِ مع روح تحبُّ لكَ ماتحبّ لنفسها .. حتى تلكَ الجُرعات الزائدةُ لن تسبب لكِ الألم في أسنانك .. أو تعرفُ لماذا ؟
أسرعتْ تمسحُ آثارَ دموعهَا وهي تغمغمُ : لأن من يقاسمك حبّاتِكَ سيأخذ بيدكَ كل ليلة قبل النومِ .. لتُنظفَ أسنانكَ! وهكذا لنْ تؤلِمكَ ... 
اقترب منها ونظرَ لها متأملاً ثمّ قال: كيفَ أجربهَا إذنِ ؟ 
هزتْ كتفيهَا ضاحكةً : قلتُ "تتسللُ" الى روحكَ هديةً... 
رمقهَا ﺑﻨﻈﺮﺓ جانِبية لاحظَ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﺍﺭتِباكها فقالَ: أنتِ من أهداكِ هذا؟ منْ قاسمكِ ؟ منْ أخذَ بيدكِ لتنظفي أسنانكِ؟ 
رفعتْ رأسها بعدَ أنّ أخذتْ نفساً عميقاً : أحياناً يُهديكَ كثيرونَ .. ربما تَكون حبّاتهم فاخرة ... من أرفعِ وأحسنِ الحبّاتِ جودةً .. تُجربها، تتذوقهَا لكن شعورُ الاستمتاعِ لا يتسللُ لرُوحكَ .. بلْ ربما تحسُ بمرارة وأنتَ تتذوقُها! هنا... أتعرف لماذا ؟ لأن منْ أهداكَ إيها نَسِيّ إنّ يغلفَ حباتَهُ باحساسهِ ... بصدقِ شُعورهِ ..صندوقهُ ليسَ بأبيضَ ، ورودهُ بلاستكيةٌ كاذبةٌ لا عطر فيهَا ...! 
وهذا طبعاً لن يأخذكَ لتنظيفَ أسنانكَ ... سيذهبُ وحدهُ ...
أضافتْ قائلةً : أو ربما لن تصلَ لمرحلةِ غسلِ الأسنانِ ! لأنك لن تأكلَ جرعات زائدة !
رسمَ على شفَتيهِ إﺑﺘﺴﺎﻣﺔ وهو يقُولُ بِهدوء :جميلةٌ هذه المشاعرُ.. رقيقةً وعذبةٌ. 
أخفضتْ بصرهَا وقد توردا خديهَا خجلاً ... أبعدَ بصرهُ عنهَا مكملاً كلامهُ ... " وأنتِ هل تردينَ جرعات زائدة ؟ " 
رفعت رأسهَا إلى السماء وأجابتْ بعد أن طالَ صمتهَا وهي تعضُّ على شفتيهَا تفكرُ : عندما تتسلَلٌ لأعماقي حباتٌ في صندوق أبيض صغيرٌ .. عندما أتذوقها لا أحس بمرارة في الحلقِ .. عندما تُغلفُ بصدّقِ المشاعرِ قبل البحثِ عن فخر وفخامةِ النوعِ ... عندمَا يشدّ على يدي طفلةً صغيرةً رافضةً أن تغسلَ أسنانهَا ...
عندها ...لن أخافَ من تناولِ جرعات زائدة ! 
فردّ مدعباً : كلامُ هذه الطفلة الصغيرة أكبرُ من عُمرها يبدو! 
نهضتْ واقفةً وهي تردّدُ متلعثمةً : الطفلةُ بداخلهَا أبتْ أن تكبُر .. رغم أن العمر أخذ من ربيعهَا سُنونَ ...
ثم تنهدتْ قائلةً : خلاصةُ القول لا تنسى أنّ تنظفَ أسنانكَ ولا تكثر من أكلِ الشوكولاَ حبةٌ واحدةٌ تكفي .. لا داعِي لتناولِ أربعة حبات مرةً واحدةً!! 
وقف بعيدا منها فوق الرصيف ضاحكاً يرمُقها بنظرةِ استغراب وهو يقولُ : ﺃﻗﺮﺃ ﻓﻲ عينيكِ أفكاراً ﺷﺮﻳﺮﺓ ... ﺃﻻ تنوينَ مُشاركتي بها ؟ 
ابتسمتْ ابتسامةً ﺑﺎﻫﺘﺔ متمتمةً : ﻟﻴﺴﺖ شريرةً ﺗﻤﺎماً ..لكني دائما كنتُ أفكرُ بأن حياتكَ حافلةٌ بالكثيرِ ممّا ﻻ ﺗﺮغبُ ﻓﻲ قولهِ!

حكاياتُ ليل


 هل تَعرفُ متَى يُصبح كُل شيء مُبعثرٌ ؟ 
عِندما تستيقظُ الذكرياتُ و تهْوي بكَ نحو ضياعِ الرّوحُ ، إنقبض في تلك القطعة المركُونة يسار الصّدرِ ، تقْلص لعَضلات الجسم و ربما ستنسَى لحظات كيف تتمّ عمليةُ التّنفسِ ! 
هل تَعرف متى تفقِدُ الأشياءُ قيمتهَا؟ 
عندما تَسمعُ كلمة "أحبك " ولا شيء يتغير بداخلك ، عندما تنظرُ إلى أشياءَ غمرتكَ بهجةً يوماً ما و لاتؤثر فيكَ ولاَ تهتمُ بلْ رُبما سَتقفُ مستغرباً كيف أستطعتْ تفاصيل كَهذه أنْ تنّثرَ داخلك موجاتِ فرح و تبعثَ في أعماق الرّوح سعادةً لا متناهية !
هل تَعرف متى تَخونُ نفسك ؟
عندما تَبقى وفياً في أمر مَا تجاه شخص بعِيد، خائِن لأمَانة وغير مُخلص لذكرى كَانت ولن تعٌود !
هل تَعرف متى تنعَدم أمامكَ الخياراتُ ؟
عندَما تضعُك الحياة بين مُفترقات خَريفية لم تكن يوماً لتعبرها، عِندما تجبِركَ على ارتِداءَ حذاء بمقاسَ أصغر من مقاسكَ فالطريقُ وعرةٌ لن تقْوى قَدامكَ الصّغيرتَان الحَافيتَان عَلى تحمُل وطْأتها !
هل تعلم متى تَنطفِئ الرغْبةُ في الحياة رُويداً رُويداً ؟
عندما تَرى أُمنياتك المُؤجلة وأحلامك المبْتورةَ تتحققُ على يد غيركَ حتى تلك التي تَخُصك وحدَك و تَحملُ تَفاصيلك حتى أنْفاسكَ وتوقِيعاتِكَ .. حَتى الّتِي إستنّزفتْ مِنك عمرًا على عمركَ ! والفَاجعةُ أنكَ تقفُ أمَامها لا أنت قادرٌ عَلى استرْدادِ حقّك فِيها ولاَ حتّى الأعتراف بينك وبينَ شُقوق ذَكراتكَ أنها مَضتْ ولاَ مجال لعودَتها ..
هل تعلم متى تخُونك إرادتُك ؟
عندما تكون الصَباحاتُ مَليئة بالمَعاركِ الشرسَةِ القِتال العنيفِ وَعليك أنْ تسْتسلمَ ، تَرفعَ يديكَ أمامَ عَدوكَ وترضَا !
هَل تعلم متى سَتتوقفُ عَنْ الأحْلامِ ؟
فِي الواقعِ أنتَ لنْ تَتوقفَ ... بَلْ الأحلام من ستتوقف عنك ! مَنْ ستتوقَفُ عَنكَ
!