الحياةُ جاءت على هيئةِ دروبٍ مُفخّخةٍ لا يمكننا العبورُ منها منفردينَ ..لكنها أيضًا رحلةٌ قصيرةٌ أثمنُ من أنّ نخُوضها مع الشّخص الخطأ، كما أنّها أثمنُ من أنّ نَبدّدَ أيامها و سنواتها في علاقاتٍ مُحبطةٍ تُهلكُ أروحنا و تَفّتِكُ بها.
لكن ما أصبحنا نُعايشهُ عكس هذا!
فالأشخاص الّذين خُلقوا ليكون أحدهم عوّنًا للأخر في أوقاتِ الضّعف والتّعثُر أصبحوا كالصّخورِ الجاثِمة على الصّدر.
العلاقاتُ الّتي من المُفترض أن تكونَ اليّدَ الّتي نتشبّثُ بها عند كلّ سقوطٍ لنقفَ من جديدٍ بَاتت اليّد الّتي تصفَعنا عند النّهوض.
مضينَا في طريقٍ مُظلمٍ لا نرى لهُ معالمَ ولا نفقَهُ لرحلةِ معنى...لا شيءَ سوى سراب.
الحياةُ أثمن من أنّ تُختزل في علاقاتٍ وهمِيّة كما أنّها أكبر من أنّ تكون فيها العلاقاتُ مبنيةٍ على معايير يحدّدها العُرف والمُجتمع من سنٍّ ومركزٍ واسمٍ و وجمالٍ و لباسٍ و شكلٍ.
باتت الاختياراتُ صفقاتِ بيعٍ و شراءٍ، ربحٍ و خسارةٍ وعلى جانب آخر اختزلها البعضُ في الجمال والمكانَة الاجتماعيةِ.
و بين هذا و ذاك ... أولئك الّذين تمرّ أمامهم سنينُ العمر انتقينَ فيها "شريك العمر" بعد أن تعثر وقاوم وقطع أكثر من نصف دربهِ منفردًا أو بالأحرى بعد أن "بنى نفسهُ".
"شريكة" أرادها في آخر الطريقِ و صانعٌ لمملكتهِ أرادتهُ قبل أن يأخُذها إليها.
"شريكة عمر" في آخر العمر...لم تأتي لتكون السّند عند الضّعف و لا الكتفَ الّذي يلجأُ إليه كلما أتعبهُ رأس العالمِ.
أرادته بعد أن "بنى نفسه " فلم تشّهد مراحل نجاحاتهِ وإخفاقاتهِ و لم تُعايش مراحل حياته الّتي بها وصل إلى ما أبهَرها به الآن.
أرادت أن تكون "خاتمة كتابه" و أرادها أحد "فُصول النهاية" ...لم يُردْ أن تكون مُقدمة كلّ شيءٍ و لم تُرد أن تكون البداية و النهايةِ و لا فاصلةَ كلّ شيءٍ و لا النقطةَ في آخر كلّ شيءٍ.
و بين هؤلاء و أولئك، يقفُ آخرون على حافةِ الطريق، يشاهدونَ الجميع يمرونَ أمامهم و قد أرادوا الاكتفاءَ بالمُشاهدة و التأملَ و الإنصاتَ ... على أمل أن لا يخسرُوا أنفسهم و حياتهم و أحلامهم في طريقٍ يشاركهم فيهِ شخصٌ آخر.
و كل وقصتهُ....
وكل عن دربهِ تائهٌ و في طريقه ضائعٌ...
أخطاءنا معاييرَ اختيارِ "رفيق الطريق" ...تأخر البعضُ و تَسرعَ آخرون و آخرون جَعلوا من الاختيارِ صفقاتٍ تُقام لتقديرِ نسبةَ الربحِ.
المعايير الّتي تَختزل أسماءَ العائلاتِ و المراكزَ و العرفَ و التقاليد و الأقاربَ سَتُنهكُ أروحنا و تُنسينا أنّها تَبحث عن وطنٍ تسكنهُ و روحٍ تُرمم شتاتها.
تُغرينا البداياتُ وننسى أن الطريقَ أقسى من أن نَقوم بِعبورهِ مع شخصٍ يُفلتُ أيادِينا كُلما أسقطتنَا الحَياة أرضًا.
نَتسرعُ وننسى أن طريقنَا أن تَعتّمَ يحتاجُ ضوءَ شمعةٍ تُضيئهِ لا نارَ شمعةٍ تحرقنَا.
و ننسى أن الحياة تحتاجُ لاجتيازِ صُعوباتها شخصًا وجودهُ يمنحنا القوّة ويُصيّرُ هُمومنا الثقيلةَ زهرًا خالصًا، شخصًا من صوتهِ تُثمرُ الحياة عناقيدَ فرحٍ، شخصًا يحتضنُ أحلامنا ويقفُ بكلّ فخرٍ لنجاحاتنا و يلَملمُ حُطام قلوبنا بكلّ حبّ كلما أتت عليها الحياة بكمٍّ هائلٍ من الانكساراتِ.
أحسِنوا الاختيار...لحسنِ العُبورِ و لحسنِ المُنتهى.