وحين يضيق بنا العالمُ بكلّ ما فيه , تبقى الكتابةُ هي المُتنفسُ.

وحين يضيق بنا العالمُ بكلّ ما فيه , تبقى الكتابةُ هي المُتنفسُ.

vendredi 28 décembre 2018

الحياة شعور والعمر تجارب




لا تُقاسُ الحياةُ بِالعُمْرِ بل بالتَّجارِبِ، برجْفةِ القَلبِ وبنشوةِ الشُّعورِ، بتعثُّر المسِير وبهجةِ الوصُول، بالسُّرورِ بعد الغُصَّةِ وبالفرجِ بعد الغُمّة، بانفتاحِ عقلك وبانحسارِ مناطق الظُّلمة في ثَناياه، بصرخةٍ تُعبرُ بها عن الفَرحة وبلحظةٍ تَعيشُها كأنها آخرُ لحظاتِ العُمر، بخفقة تحرّرت من قيّد القلبِ في لحظة تمرّدِ العاطفةِ وبهسهسةِ الرّوح العاشقةِ في لحظة فورانٍ، بالأشياءِ الَّتي كَابَدْتَ حتّى تَنتهي كما تُريد وبالنّهاياتُ النّاقصةُ الَّتي لَا تُريدُ، بالنُّدُوبِ الّتي لا تخشى لَمسها وَبالهزيمة الّتي لَم تختبئ منها إلى أن مَضت، بالغرقِ وبالتّخبُّطِ وبِمُحاولات النّجَاة.
إنّ الحياة الحقيقة هي الحياةُ الّتي تَزخَرُ بغِنى الشّعورِ، بالأفعالِ البسيطةِ المُبهجةِ وَبالكَلماتِ الصّغيرةِ المليئةِ بالمعاني، بالتّحدِّياتِ المُنهكةِ وبصِراعاتِ الاستمرارِ، أنت لَم تُخلق لتركُضَ فِي دُروبها آمِنًا ثُمّ أنّك لم تَأتي إِليها لتقبعَ في مكانٍ واحِدٍ، لِتعيشَها ساكنةً على وتِيرةٍ واحدَةٍ!

عند الغسق



كُلَّمَا قُلْتُ الآنَ وصلتُ، تَعُودُ لِنُقطةِ الصَّفرِ.
لِنُقطةِ البدَايةِ. 
كُلّما تَعرَّفتَ عَلى مَعَالِمِ الدَّربِ وَحَفظتُ تَفاصِيل الطّرِيقِ، نَأْتِ بِكَ إِلى السَّرابِ وَأَدركْتَ كَم أَنت جَاهلٌ وَالحَيَاةُ من حَولك أعمَقُ مِمَّا يُؤمِنُ به عَقَلك وأعظمَ مِمَّا تبصرهُ عينُ قَلبكَ. 
تَفْقِدُ البوُصلة وَتتشَوَّشُ بَصِيرتُكَ ويتوقّفُ الوَقتُ، تَتَوارى الأَسئلةُ أَمامك وَتَضيعُ فِي خَارطتِهَا، تُلَمْلِمُ شَتَاتَ رُوحك وَتجمعُ هِمَّة القَلب قبل هَمِّه. 
وتعَودُ...

تَعُودُ لِنُقطةِ الصّفرِ، تَعود لِتُدركَ أنّ صُعوبةَ الحياةِ في آلتَيهِ، فِي قَلبٍ وَعقلٍ لَا يَحملَانِ ذاتَ البوصَلةِ، تَعودُ لِتَبحثَ عن الأَجوبةِ فِي غَيَاهِبِ المجهولِ وهشاشَة المُحتملِ حُدوثهِ.
أَتُراك تَجدُ البوصلةُ وَتنام ليلةً دونَ أَن تكتُّمَ صوتَ القلبِ وَتَأمُرُ العَقل باليقظةِ؟
أَتُراك تَصلُ وتكونُ مُمتنًّا لمشَقّةِ السَّفر وَعناء الرّحلةِ وجُهدُ القلب وتقلّباتهِ، للتعثّراتِ الّتي صَقلَت عقلك وحمَتك من سَطوةِ القالبِ الواحد وَالأسلوب الواحد، لمرافئ الأمانِ الّتي أنقذَتكَ من تَلاطُم مشاقّ الحياةِ ولانتصاراتكَ الصّغيرة غيرِ المَحسوبةِ فِي قَائمةِ الانجازاتِ الكُبرى
؟

dimanche 9 décembre 2018

تحت سطوة الانتظار




لم يحدث الكثير هذه الأيام، لا شيء يحدث وكل شيء يحدث! هنالك فقط غرفتي، ذات الخمس قطع ..المكتب وكرسيه المثقل بملابس أبت أن تعود لمكانها في الخزانة، سرير وخزانة وطاولة جانبية حاولت ترتيبها قليلا قبل هذه الصورة ! كان كوب القهوة يصطف بجانب الكثير من الكتب التي أؤجل قراءتها والدفتر الذي كلما فتحته لأكتب رفضتني صفحاته والقلم أعلن الحداد، أوراق أحاول كل ليلة البدء في قراءتها علّي أستطيع تقليب المعلومات الراكدة في أسافل هذا العقل المتخم بالاحاديث ولا يجيد سوى أرسال صيحات ذعر وفزع آخر كل ليل. رفعت الهاتف، التاريخ هو الخامس من ديسمبر! 

أنه ديسمبر..لم أكن يوما صديقة هذا الشهر ولكنني لم انتبه هذه السنة أن خمسة أيام مضت منه دون علمي! هون عليك عزيزي القارئ ...لا تستغرب عندما تكون حياتك عبارة عن أمور مؤجلة وقرارت معلقة في المنتصف وكلمات عالقة في هوة عميقة بين القلب واللسان، لا تنتبه إلى الارقام التي تتغير في خانة الأشهر.. جلّ تركيزك سيحون منصبًا نحو تلك اللحظة التي سينتهي فيها تأجيلك لما تريد وترغب. ‏كلُّ شيءٍ تُؤجله يُصبح كالحجرِ الجاثِم على صدرك، رغم أنه مُؤجل لكنّه يأخذ حيزًا من تفكيركَ، يمنعُ عنك التّنفس ولا تَستطيعُ زَحْزحتَه. لم تتوقف عملية التنفس عالأغلب ولا يجب أن تتوقف، لأن الدهشة ما زلت تزورك وتشحن وهن قلبك، كأن تبتسم لسرب عصافير يرحل بعيدا في سماء غائمة، لحظة قبضت عليها بصورة فصنعت يومك، أشياءك التي تحب عندما تكسر روتين يومك..تجعلك تنام ممتنا لعيون قلبك التي تجذبك نحو مواطن البهجة، لتتذوق لذة الدهشة وتبتهج بها روحك وتطرب، فمهما تنأى بك هموم الدنيا بعيدا تُدنيك لتمتع بآيات الجمال.  


samedi 10 novembre 2018

لقد كنا شاهدين على هذه الحياة


منْ هُنا مرُّوا، 
بخطواتٍ مُستعجلةٍ، يقذِفها الرّحيلُ ويتلقّفها الرّجوعُ.
منْ هنا مرّوا، 
تاركِين ذكرياتِهم المّنسيّة على الجُدران و الوحشةَ تعُمّ المكانَ.

من هنا مرّوا،
تاركينَ الأبوابَ تهتزّ وحدها، مُتخيّلةً وقّع خُطواتهم -عائدةً إلى مواطنها- 
من هنا مرّوا، 
تاركينَ المكان يتنهدُ، بالأحاديثِ والابتساماتِ تعجّ كلّ زواياهُ.
من هنا مرّوا،
ولما غَدوا نحو الرّحيل ما ودّعوا.
من هنا مرّوا، 
وزَالوا من هنا،
لكنهم مَا زالوا هنا بأثَرهم، لنظفرِ نحن بصورةٍ ونلتقطَ لحظاتهم الّتي تُركت للنسيان.


vendredi 5 octobre 2018

بين الحياة الافتراضية والذاكرة الرقمية

تتوّغلُ في ذاكرةِ حاسوبك، تفتحُ صورًا قديمةً، فتعود لكَ الذّكريات بكلّ تفاصيلها وتجدُ نفسك أسير تلكَ اللّحظاتِ.

أنت عالقٌ هنا في هذه المدينةِ، تحت سماءٍ غائمةٍ، في صباحٍ ديسمبري باردٍ، تُراقب وجوه المارّة منتظرُا شخصًا ما. عالقٌ في هذا الطّريق، حيثُ الأرصفةُ تضجُّ بأحاديث الغرباءِ، والأزقّة الضيقةُ تستقبلُ إبتسامات العابرين. عالقٌ في ذلك المقعد القديمِ، تحت أشجارِ السّرو الّتي تطوّق الحديقة، مع تلك الأغنيةِ. 

أنت عالقٌ في محطاتِ الانتظار الّتي ظننت أنّك لن تُغادرها،  في مقاعد الدّراسة الّتي لعنتها في السّاعة ألف مرّة، واليوم هي المقاعدُ الوحيدة الّتي تشتاق الجلوسَ عليها.

أنت عالقٌ في الأماكن الّتي فقدتَ تأشيرةَ الدّخول إليها والأشخاصِ الّذين غادرُوا حياتك، في لحظةِ تخرجك ولحظات تعثّرك،  في الأيّام الجميلةِ الّتي ظننت أنها ستدومُ لكنها مضت، في صورةِ عزيزٍ وراه التراب وطواه النسيان.

أنت عالقٌ في تلك اللّحظة، حيث أَطلقت ضحكةً طويلةً من القلبِ، في حوارٍ طويلٍ مع روحٍ تحبّها وتفهمك، في الدّروب الّتي قطعتها ولم تكن تستحقُ عناءَ السّفر والتّعب،  في الوجوهِ الضّاحكة داخل الصّورة العابسةِ خارجها، في الابتساماتِ العابرةِ والأحاديثِ الّتي لم تكتمل والحكايا الّتي يُتّمت قبل النّهاية والبدايات الّتي وجدت نفسك فيها دُون أن تدري كُنْهها وما تُخبئه الأيّام. 

ماذا لو فقدتَ حاسوبك ؟ هل ستفقد ذاكرتكَ أيضًا؟ هل ستفقد كلّ ذكرياتكَ والتّفاصيل؟ 
ذكرياتنا اليوم أصبحت مُتّصلة بذاكرةِ حاسوبٍ أو هاتفٍ، أصبحنا بسببها نُهمل ذاكرتنا بشكلٍ غير مقصودٍ، فالهاتف ومايحملهُ من صورٍ عشوائيةٍ أو أُلتقطت بكلِّ دقّةٍ، من مواقفَ مرّرنا بها سيئةً كانت أو جميلةً، وثّقنها باللّحظة والتّاريخ وبعض كلماتٍ على شكلِ NOTE، من وسائل التّواصل الّتي تُعيد لك ذكريات العام الماضي والسّنين المُنصرمة بإشعارٍ يُضيء شاشةَ هاتفك، أعيادُ ميلاد أصدقائك والمقربين وحتّى أفراد عائلتك، ما عُدت تحفظها في ذاكرتكَ ما دام هاتفكَ يتولّى في كلّ مرّة تذكيرك.  
ما عُدنا نعتمد على ذاكرتنا الطّبيعية في حفظِ ذكرياتنا، حواسيبنا بمساعدةِ هواتفنا الذّكيّة تتولّى ذلك، هذه الأجهزةُ سرقت أقلامنا وأوراقنا ورسائلنا، وها هي اليوم تسطُو على ذاكرتنا، فماذا بعدُ؟
ً

vendredi 28 septembre 2018

مشهد صباحي من الحافلة

مشهدٌ صباحيٌّ من الحافلة؛
طالَ بي الضّجر وأنا أُسند رأسي على نافذةِ الحافلةِ أُشغل نفسي بكِتابي تارةً، وأراقبُ النّاس من حولي تارةً أخرى، الجميعُ صامتٌ لكن عُيونهم تَروي ألف حكايةٍ، بعضهم بملامحَ باردةً لا تَشي بما يدورُ في عُقولهم والبعضُ يضعُ سمّاعاته في أذنيّه، مُحلّقًا في عالمهِ الخاص مُنفصلاً عن مُحيطه وواقعه، على الجانب الآخر كانت تجلس فتاةٌ، بَدت مُستسلمةً للحزنِ، بوجهٍ شاحبٍ وهالاتٍ سوداء تشِي بليالٍ طويلةٍ من الأرقِ، تعبثُ بحزامِ حقييتها اليدويّة،ِ وتنفقُّ دقائقَ الانتظارِ وهي تنظر في مرآةٍ صغيرةٍ تحملها معها، تُطالع وجهها، تتفحّصُ نُدوبه وتُدقّق النّظر في الحُبوب الّتي غزّتهُ والهالاتُ الّتي استقرّت به. بجانبها تجلسُ امرأة في عقدها الخامسِ، تُراقب حركاتها، تُقلّبها وتمعنُ النّظر في وجهها، ثم قالت : " لِمَ لا تضعين بعض مساحيقِ التّجميل؟ تبدين مُخيفةً !" 

رفعت وجهها، نَظرت إليها بهلعٍ، وبنظرةٍ حزينةٍ، أدارت رأسها تتفحصُ ما حولها بآسى وتوجسٍ. 


المشهد جعلَ آلافَ الأسئلةِ تدقّ في عقلي ومئاتَ الأفكارِ تتكالبُ في رأسي، كم من عنفٍ لفظيٍّ يمارسه النّاس على بعضهم بسبب مَلامحهم الشّاحبة والنّدوب الّتي تحملها وُجهوهم؟ إنَّ النّدوب الّتي تحملها أجسدهم هي الجروح العميقة الّتي نزفوا دِمائها وضمدوها وَحدهم، بشرتُهم الباهتةُ المليئةُ بالشوائبِ والهالات السّوداء تحت عُيونهم هي الخيبات الّتي تجرّعوا مرارَتها وحدهم، هي عواصف التّفكير والحزن المدفونُ والغضب المكبوتُ. كلّ جزءٍ من أجسادهم ووجوهِهم، ترونَه غير جميلٍ هم فخورينَ به، كلّ جزءٍ لا يُعجبكم وترمونهُ بسيءِ الكلام كُلّما التقيتموهم، هو نتيجة صِراعاتهم المُضنية وحُروبهم الدّاخلية الّتي لم تعرفوا شيئًا عنها، ولم تَسمعوا حتّى ضَجيجها ولم ينفثّوها في وجوهكم كلماتٍ تَستجدي عطفكم أو ألفاظًا شائكةً تجرحُكم. كلّ ندبةٍ تعني أن عواصفَ هوجاءَ اعترتهم وقاوموها، أن طوفانًا غاضبًا اجتاحهم، خلفَ انجرافات وأخاديد لكن أيضا اخضرت بعده أرواحهم وأزهرت حُقولَ نرجسٍ وبنفسجٍ، كلّ ندبة تعني أنهم تعثّروا ونهضوا، أنهم تخبّطوا في الظُّلمات ونجوا، أنهم انكسروا ولملموا شَتاتهم، كلّ النّدوب تعني أنهم الآن ودون مساعدة أيّ أحد منكم، استطعوا أن يقفوا على قَدم وحدةٍ، بعد أن بَترتُم أنتم ومقاييسكم الفاسدةُ قدمهم الآخرى.

 رجاءً احتفظوا بتعليقاتكم، فهم مُتصالحين مع كلّ جزء مُنه، حتّى تلك النّدوب الّتي جعلتهم أقلّ اكتمالاً لكن أكثر قوّةٍ! 

أيها التغيير...لماذا نخافك؟


التّغيير مُؤشرا جيدٌ على أنّنا نتفاعلُ مع الحياة، فنحن عندما نكون قابلينَ لتعلم أشياء لا نعرفها وتجربةِ أشياءَ غير مألوفة،  عندما نسعى لاكتسابِ معارفَ جديدةٍ وخوضِ مغامرات مجنونةٍ، نحن نُغيّر نظرتنا تجاه الأشياءِ ونكتشفُ أنفسنا، هذه اللّحظات هي الّتي تُعطى معنى لوجودنا وتمدّنا بسحرِ الحياة، نحن من أجل هذه اللحظاتِ فقط نحيا. 
أسباب كثيرةٌ تُساهم في تغييرنا، قد نَعي بعضها ويفوتنا أن ننتبه لبعضها الآخر،حتّى الصّراعات الّتي خُضنها وخرجنا منها مُنتصرين، التّجارب الّتي مرّرنا بها، لحظات العجزِ والوهنِ الّتي نَجونا منها، هي كُلها أسباب غيّرتنا وألهامتنا لنكون ما نَحن عليه اليومَ. 
ربما لم نَسلك الطّريق الصّحيح، لكن المكان الّذي وصلنا لهُ يجعلنا لا نكفّ عن الامتنانِ لكلّ مُنعرجٍ خَطِيرٍ مشينا فيه وكلّ قرارٍ خاطئٍ تعثّرنا به.
نحن سُعداء بما أوصلنا إلى هنا، حتّى تلك التّجارب السّيئة الّتي استنزفتنا سمحت لنا أن نكتشفَ جوانب أخرى من شخصيتنا نجهلها، وساعدتنا في بلورةِ مفاهيمنا الخاصةِ للحياةِ والعلاقاتِ والأشياءِ...