في هذه اللّيلةِ أشعرُ أنّي هشّة كورقةِ خريفٍ آيّلةٍ للسّقوطِ، كفردةِ حذاءٍ في قدمِ الخَسارات، أعرفُ أنّي نجحتُ كثيرًا في تجاوزِ خيباتِ القلبِ الّذي كثيرًا ما أسقطتهُ الحياةُ أرضًا في الظّلمةِ يرتعدُ ويبحثُ بهلعٍ عن يدٍ يتشبّثُ بها، تقبّلت هزائِمي الكبيرةَ وفرحتُ بانتصاراتِي الصّغيرة الّتي لم يسمع بها أحدٌ سوى دفاتري، تقبّلتُ أنّ تجتثّ النّهايات محاولاتي قبل أن تُزهر وتخنقَ فرحتي في آخر رمقٍ منها، بيدي بترتُ أمنياتٍ بنقاء الغمامِ وأخرى باسمِ العرف والتقاليدِ دفنتُها في لَجَج النّسيان، تجرعتُ مرارةَ الهزيمةِ رشفةً رشفة وتعايشتُ مع جُثث أحلامٍ مقتولةٍ في خبايا رُوحي، كثيرًا ما سرتُ في دروبٍ وعرةٍ مجهولةِ المعالم وكثيرًا ما أجبرتُ على سلك منعطفاتٍ لا أريدها والسّير في ممراتٍ ممتلئةٍ بالفراغِ مفخّخةً بالانكساراتِ مكتظةٍ بالهزائمِ، لكنّي وصلتُ، وصلتُ لأعيش أيامًا لا أريدها، بخواءٍ في المشاعرِ وندوبٍ في الجسد، تُهت مرارًا وتكرارًا في سراديبِ الذّكريات ولم يبحث أحدٌ عني ، رأيت صورًا باليةً لا أريدُ رؤيتها وسمعتُ أصواتًا تزّعق فوق رأسي وتلتفُّ حوّل عُنقي كحبلِ مشنقةٍ، في البدايةِ ظننتُ أنّي قادرةٌ على التّأقلم ولكنّي فشلتُ، قرّرت أن أبنِي قوقعةً وأتكوّر داخل غرفتي بين كُتابي ودفاتري وأكوابِ قهوتي إلاّ أنّي أصبحت أشعرُ مؤخرًا أن هذه الخطّة أيضًا فاشلةٌ، تغيّرُ الرقم الّذي يظهرُ في خانةِ العمرِ هو ما يجعلني أقلقُ بل انتفضُ من مكاني وأخرُّ ساقطةً كحمامةٍ مكسورةِ الجناحين، حبالُ العجز الغليظةٍ تُقيدني، والظروفُ والمجتمع يكبّلان يدي بقيودُ الوهن واليأسِ، أحيانًا أستيقظ من النّوم بنوبةِ بكاءٍ هستيريًا مثقلةً بأسئلةٍ مستعصيةٍ: كيف تمرُّ هذا الأيّام وتأخذُ من عمري وأنا هنا واقفةٌ أراقبُ بخشيةٍ أمنياتِي المرتصةَ في علبةٍ أمامي وهي تَرمقني بنظرةِ سخريةٍ، كيف تأحذُ الأيّام من عمري دُون أن أحقّقها أو أبدأ حتّى في تحقيقها ؟ كُنت أشعر أن بِداخلي بساتينٌ يفوحُ منها عبّق النّرجس والياسمينِ فتشعرني بالنّشوة والخفّةِ، كنت أظنُ أن الأمنياتَ القمريةَ الّتي أدسّها كلّ ليلٍ تحت وسادتِي وأكتبها في دفاتري لن يستطيعَ أحدٌ أن يغتالها ولن تطالَها الظروفُ والعادات وتصبِغها بألوانَها الحالكةِ، كنت أظن أنّي قادرةٌ على رسمِ طريقي بنفسي مهما كَثُر عددُ من يثبطُون عزيمتي و يحاولونَ أطفأ جَذْوة الأمل بداخلِي، كانت رُوحي تتوقُ إلى معانقة أكفِّ السّحاب وقلبي ينبضُ متلهفًا لكل ماهو جديدٌ وغريبٌ، إلا أنّي اليوم لا أشبهُ الشّخص الّذي كنتُ عليه، الرّكود وتبلدُ يتسربانِ إلى دواخلي كتسربِ الهواء في البيتِ الخربِ، أصبحت أُربي الكسلَ حتّى صار أكبر منّي وألتهم كلّ ما خطّطت لهُ وابتلع كلّ مُحاولاتي في التّغيير والتّغلب على سُوء الظُروف والمكان، نفسي ما عادت تقفُ لجانبي وقلمِي يتخبطُ بين الأوراقِ بعد أن خانتهُ الحروفُ وغابت، قلبي عَصفت به رياحُ الخذلانِ وطالهُ بردُ الأيّام المتشابهةِ فسقط صريعًا يتلفظُ حشاشتهُ.
إلاّ أنّ كلّ هذا المشاعرِ لم تمنعني من الشّعور بالإمتنانِ لكتبي الّتي تُرافقني وتمنحي فرصةَ الغوصِ في عوالم أخرى، إلى أكوابِ قهوتي الّتي بجمالِ وجهها وسُُكرها المرّ أتجاوزُ علقمَ أيّامي، إلى دفاتِري الّتي تحملني بكلّ مشاعري وتستمعُ بصمتٍ، إلى ألوانِ الوردِ و غيومِ السّماء والأغنياتِ المُدهشة، لصوتِ العصافيرِ والأشجارِ، لسهرِ واللّيل ولصباحِ ونسماتهِ، للجمالِ بشتّى ألوانهِ وللفنِ بكلِّ أنواعهِ.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire