وحين يضيق بنا العالمُ بكلّ ما فيه , تبقى الكتابةُ هي المُتنفسُ.

وحين يضيق بنا العالمُ بكلّ ما فيه , تبقى الكتابةُ هي المُتنفسُ.

dimanche 19 novembre 2017

ليلة مزدحمة بالدموع




تنتابُني رغبةٌ عارمةٌ أن لا أغادرَ فراشِي أبدًا أن أبقى هُنا كومةً من لحمٍ وعظمٍ تَتغطى الهواجسَ والقلقَ وتلتحِفُ أفكارهَا الصّماءَ، 
دفاتري هُناك مُكدسةً فوقَ بعضها والغُبار أكوامٌ مكوّمةً يَغشاها حتّى فقدت تفاصِيلها الصّغيرة الجميلةَ، ترمُقني بنظراتِ استنكارٍ يمتزجُ فيها الغضبُ مع الشّفقة ثم تسألني: لماذا ابتعدتِ عني ..؟ تأتي الإجابةُ بصوتٍ خافتٍ من أعماقِ سردايبِ روحٍ منّهكةٍ مثقلةٍ بالكثيرِ من الحزنِ و مليئةٍ بالأحاديثِ الغائمةِ تنتظرُ لحظةَ ضعفٍ لتمطر كلماتٍ برائحةِ الدّمع والدّم.. 'لكني تائهةٌ ضائعةٌ، تركتني الحُروف والقلمُ خانني و الكلماتُ أعلنت الحدادَ.' 

روحِي الّتي تركضُ في باحاتِ الحياةِ هائمةً، خاويةً، حافيةَ الفرحِ٬ جوفاءَ السّكينة وقفت لوهلةٍ تلتقطُ أنفاسها وزَعقت في وجهي موبخةً : إلى أين ؟ إلى أين المسِير ؟ لم أعد أفقهُ لطريقِ مَعْلمًا والدّرب طويلٌ عسيرٌ، قولي لي متّى نصلُ و نعانقُ الفرح والطمأنينةَ ونتنفسُ حرقةَ الآهاتِ و ننفثُ سمومَ الخيباتِ؟ 
أحدق بها طويلاً صامتةً٬ حائرةً ثم أجيبها بصوتٍ حزينٍ مُقاطعًا: لكن ليس ذنبِي! ليس ذنبي أن الدّرب مُعتّمٌ لا نارُ شمعةٍ تضيئهُ ولا نورُ قبسٍ يُوضِّح معالمهُ٬ ليس ذنبي أن الطّريق طويلٌ عسيرٌ لم تستقم مُنعرجاته!  ذنبي أن ثوبَ الأمنياتِ طويلٌ وحذاءَ الأحلامِ أكبر من مقاسِي ! 


 قلبِي يستيقظُ من غفوتهِ يلعنُ ويصيحُ بنبراتٍ حادةٍ؛  متى تتركني بعيدًا عن صراعاتكَ المضنيةِ و تنفكينَ عن إيقاظي عند كلَّ موجةِ قلقٍ تعتريكِ أو عاصفةِ كدرٍ تهزكِ؟ أتركني بسلامٍ ! وإلاّ...! 
بنظرةِ خشيةٍ و توسلٍ أقاطعهُ : أرجوكَ ليس الآن ! 
يردُّ مُغمغم : ولكني تعبتُ أيضا، صَمتي ليس من بابِ الرّضى و القُبول، متى تجدين لي الرّفيق الّذي أهرب له منك ومن نزاعاتك وأختبأ بين حدودِ كتفيهِ ؟ متى أجدُ وطني وأرمِي بكلّ ثقلي على كتفهِ ؟ تأتي إجابتي مبتورةً مغلفةً بأوشحةِ الأمل والتفاؤلِ:  سنجد الوطن الّذي تنتهي فيهِ كلّ مُحاولاتنا للهربِ سنجدُ النّبض الّذي سيحوّلُ أحزاننا لجرعاتِ فرحةٍ وسعادةٍ لا تنتهي ومن كلماتهِ تزهرُ حقولُ النّرجس والأقحوانِ بداخلي وتتفتّحُ زهور الياسمينِ و الفلِ في تصدّعاتكَ. 
يذرفُ بضعَ دمعاتٍ ثم يتنهدُ بعمقٍ كعجوزٌ بلغت من العمرِ عتيًّا ويعود لغفوتِه. 

mardi 7 novembre 2017

لغة القلب


في لغة القلب،

أن لا تأتي أبدًا أنفعُ من تأتي متأخرًا، فبعض الأشياء الّتي تصلنا مُتأخرةً، لا قيمةَ لها، تأتي مُفخّخة بالخذلانِ والخيبةِ فتزيد من مرارة الوجع، كمن يعطي الخبز لمن أظناهُ العطش، كمن يعزفُ لجمهورٍ أصم، كجنينٍ تنتظرهُ أمّه تسعَ أشهرٍ ثمّ يأتي ميتًا، كقصيدةٍ مُدهشة لم يمنحها كَاتبها فرصةَ الانبلاجِ والتحليقَ في سماء القُراء، كأخبار امرأة عاقرٍ تَحتضر أنّها حامل!

أن تسيرَ في طريقٍ قصيرٍ، اللّهفة فيه تُسابق الدّهشة مع انعدام الوصولِ أفضل من أن تسير في طريقٍ طويلٍ تتنافسُ فيه الرّتابةُ والاعتيادُ أيّهما يصلُ أوّلاً.

أن تكون الكلماتُ الّتي ستقولها، جارحةً كانت أو لطيفةً، منطقةَ غرقٍ، هي ستأخذُ حيزًا كبيرًا منه وأثَرها لن ينتهي بانتهاءِ تلك اللّحظة بل أنّها ستظلُّ ممتدّةً في ثناياهُ وحيّةً نابضةً في تَجاويفهِ.

أن تَكون حاضرًا لساعةٍ بكلّ ما فيك، جسدًا وروحًا، بكلّ مشاعركَ و جوارحكَ، أَفْيدُ من أن تقضِي يومًا كاملاً قريبًا لكنك أبعدُ ما يكون.

أن تكون إجاباتكَ نهايةٌ لكلّ هاجسٍ وقلقٍ وأسئلتكَ بدايةً لكلّ ارتياحٍ وسكينةٍ. 

أن تغيبَ طويلاً وتُخبر ثمّ تأتي محملاً بالشّوق أفضلُ من أن تكرّر الغِياب القصير وتعودَ بحضورٍ باهتٍ مُغلفٍ بزيّف الكلام، ولا تنسى أيضًا أن الغيابَ بكلّ أنواعهِ إن استطَالَ أمَدُه،  يسلبُ المشاعر جُزء من ذاكرتها، فتنسى طريقَ العودة وتَضيع بين معالمهِ بل أحيانًا تموتُ على قارعتهِ بغيابٍ لا عودةَ بعدهُ.

vendredi 3 novembre 2017

"لمنتصف الطريق طعم النهاية ويأس البداية"


في هذه اللّيلةِ أشعرُ أنّي هشّة كورقةِ خريفٍ آيّلةٍ للسّقوطِ، كفردةِ حذاءٍ في قدمِ الخَسارات، أعرفُ أنّي نجحتُ كثيرًا في تجاوزِ خيباتِ القلبِ الّذي كثيرًا ما أسقطتهُ الحياةُ أرضًا في الظّلمةِ يرتعدُ ويبحثُ بهلعٍ عن يدٍ يتشبّثُ بها، تقبّلت هزائِمي الكبيرةَ وفرحتُ بانتصاراتِي الصّغيرة الّتي لم يسمع بها أحدٌ سوى دفاتري، تقبّلتُ أنّ تجتثّ النّهايات محاولاتي قبل أن تُزهر وتخنقَ فرحتي في آخر رمقٍ منها، بيدي بترتُ أمنياتٍ بنقاء الغمامِ وأخرى باسمِ العرف والتقاليدِ دفنتُها في لَجَج النّسيان، تجرعتُ مرارةَ الهزيمةِ رشفةً رشفة وتعايشتُ مع جُثث أحلامٍ مقتولةٍ في خبايا رُوحي، كثيرًا ما سرتُ في دروبٍ وعرةٍ مجهولةِ المعالم وكثيرًا ما أجبرتُ على سلك منعطفاتٍ لا أريدها والسّير في ممراتٍ ممتلئةٍ بالفراغِ مفخّخةً بالانكساراتِ مكتظةٍ بالهزائمِ، لكنّي وصلتُ، وصلتُ لأعيش أيامًا لا أريدها، بخواءٍ في المشاعرِ وندوبٍ في الجسد، تُهت مرارًا وتكرارًا في سراديبِ الذّكريات ولم يبحث أحدٌ عني ، رأيت صورًا باليةً لا أريدُ رؤيتها وسمعتُ أصواتًا تزّعق فوق رأسي وتلتفُّ حوّل عُنقي كحبلِ مشنقةٍ، في البدايةِ ظننتُ أنّي قادرةٌ على التّأقلم ولكنّي فشلتُ، قرّرت أن أبنِي قوقعةً وأتكوّر داخل غرفتي بين كُتابي ودفاتري وأكوابِ قهوتي إلاّ أنّي أصبحت أشعرُ مؤخرًا أن هذه الخطّة أيضًا فاشلةٌ، تغيّرُ الرقم الّذي يظهرُ في خانةِ العمرِ هو ما يجعلني أقلقُ بل انتفضُ من مكاني وأخرُّ ساقطةً كحمامةٍ مكسورةِ الجناحين، حبالُ العجز الغليظةٍ تُقيدني، والظروفُ والمجتمع يكبّلان يدي بقيودُ الوهن واليأسِ، أحيانًا أستيقظ من النّوم بنوبةِ بكاءٍ هستيريًا مثقلةً بأسئلةٍ مستعصيةٍ: كيف تمرُّ هذا الأيّام وتأخذُ من عمري وأنا هنا واقفةٌ أراقبُ بخشيةٍ أمنياتِي المرتصةَ في علبةٍ أمامي وهي تَرمقني بنظرةِ سخريةٍ، كيف تأحذُ الأيّام من عمري دُون أن أحقّقها أو أبدأ حتّى في تحقيقها ؟ كُنت أشعر أن بِداخلي بساتينٌ يفوحُ منها عبّق النّرجس والياسمينِ فتشعرني بالنّشوة والخفّةِ، كنت أظنُ أن الأمنياتَ القمريةَ الّتي أدسّها كلّ ليلٍ تحت وسادتِي وأكتبها في دفاتري لن يستطيعَ أحدٌ أن يغتالها ولن تطالَها الظروفُ والعادات وتصبِغها بألوانَها الحالكةِ، كنت أظن أنّي قادرةٌ على رسمِ طريقي بنفسي مهما كَثُر عددُ من يثبطُون عزيمتي و يحاولونَ أطفأ جَذْوة الأمل بداخلِي، كانت رُوحي تتوقُ إلى معانقة أكفِّ السّحاب وقلبي ينبضُ متلهفًا لكل ماهو جديدٌ وغريبٌ، إلا أنّي اليوم لا أشبهُ الشّخص الّذي كنتُ عليه، الرّكود وتبلدُ يتسربانِ إلى دواخلي كتسربِ الهواء في البيتِ الخربِ، أصبحت أُربي الكسلَ حتّى صار أكبر منّي وألتهم كلّ ما خطّطت لهُ وابتلع كلّ مُحاولاتي في التّغيير والتّغلب على سُوء الظُروف والمكان، نفسي ما عادت تقفُ لجانبي وقلمِي يتخبطُ بين الأوراقِ بعد أن خانتهُ الحروفُ وغابت، قلبي عَصفت به رياحُ الخذلانِ وطالهُ بردُ الأيّام المتشابهةِ فسقط صريعًا يتلفظُ حشاشتهُ.
إلاّ أنّ كلّ هذا المشاعرِ لم تمنعني من الشّعور بالإمتنانِ لكتبي الّتي تُرافقني وتمنحي فرصةَ الغوصِ في عوالم أخرى، إلى أكوابِ قهوتي الّتي بجمالِ وجهها وسُُكرها المرّ أتجاوزُ علقمَ أيّامي، إلى دفاتِري الّتي تحملني بكلّ مشاعري وتستمعُ بصمتٍ، إلى ألوانِ الوردِ و غيومِ السّماء والأغنياتِ المُدهشة، لصوتِ العصافيرِ والأشجارِ، لسهرِ واللّيل ولصباحِ ونسماتهِ، للجمالِ بشتّى ألوانهِ وللفنِ بكلِّ أنواعهِ.