تنتابُني رغبةٌ عارمةٌ أن لا أغادرَ فراشِي أبدًا أن أبقى هُنا كومةً من لحمٍ وعظمٍ تَتغطى الهواجسَ والقلقَ وتلتحِفُ أفكارهَا الصّماءَ،
دفاتري هُناك مُكدسةً فوقَ بعضها والغُبار أكوامٌ مكوّمةً يَغشاها حتّى فقدت تفاصِيلها الصّغيرة الجميلةَ، ترمُقني بنظراتِ استنكارٍ يمتزجُ فيها الغضبُ مع الشّفقة ثم تسألني: لماذا ابتعدتِ عني ..؟ تأتي الإجابةُ بصوتٍ خافتٍ من أعماقِ سردايبِ روحٍ منّهكةٍ مثقلةٍ بالكثيرِ من الحزنِ و مليئةٍ بالأحاديثِ الغائمةِ تنتظرُ لحظةَ ضعفٍ لتمطر كلماتٍ برائحةِ الدّمع والدّم.. 'لكني تائهةٌ ضائعةٌ، تركتني الحُروف والقلمُ خانني و الكلماتُ أعلنت الحدادَ.'
روحِي الّتي تركضُ في باحاتِ الحياةِ هائمةً، خاويةً، حافيةَ الفرحِ٬ جوفاءَ السّكينة وقفت لوهلةٍ تلتقطُ أنفاسها وزَعقت في وجهي موبخةً : إلى أين ؟ إلى أين المسِير ؟ لم أعد أفقهُ لطريقِ مَعْلمًا والدّرب طويلٌ عسيرٌ، قولي لي متّى نصلُ و نعانقُ الفرح والطمأنينةَ ونتنفسُ حرقةَ الآهاتِ و ننفثُ سمومَ الخيباتِ؟
أحدق بها طويلاً صامتةً٬ حائرةً ثم أجيبها بصوتٍ حزينٍ مُقاطعًا: لكن ليس ذنبِي! ليس ذنبي أن الدّرب مُعتّمٌ لا نارُ شمعةٍ تضيئهُ ولا نورُ قبسٍ يُوضِّح معالمهُ٬ ليس ذنبي أن الطّريق طويلٌ عسيرٌ لم تستقم مُنعرجاته! ذنبي أن ثوبَ الأمنياتِ طويلٌ وحذاءَ الأحلامِ أكبر من مقاسِي !
قلبِي يستيقظُ من غفوتهِ يلعنُ ويصيحُ بنبراتٍ حادةٍ؛ متى تتركني بعيدًا عن صراعاتكَ المضنيةِ و تنفكينَ عن إيقاظي عند كلَّ موجةِ قلقٍ تعتريكِ أو عاصفةِ كدرٍ تهزكِ؟ أتركني بسلامٍ ! وإلاّ...!
بنظرةِ خشيةٍ و توسلٍ أقاطعهُ : أرجوكَ ليس الآن !
يردُّ مُغمغم : ولكني تعبتُ أيضا، صَمتي ليس من بابِ الرّضى و القُبول، متى تجدين لي الرّفيق الّذي أهرب له منك ومن نزاعاتك وأختبأ بين حدودِ كتفيهِ ؟ متى أجدُ وطني وأرمِي بكلّ ثقلي على كتفهِ ؟ تأتي إجابتي مبتورةً مغلفةً بأوشحةِ الأمل والتفاؤلِ: سنجد الوطن الّذي تنتهي فيهِ كلّ مُحاولاتنا للهربِ سنجدُ النّبض الّذي سيحوّلُ أحزاننا لجرعاتِ فرحةٍ وسعادةٍ لا تنتهي ومن كلماتهِ تزهرُ حقولُ النّرجس والأقحوانِ بداخلي وتتفتّحُ زهور الياسمينِ و الفلِ في تصدّعاتكَ.
يذرفُ بضعَ دمعاتٍ ثم يتنهدُ بعمقٍ كعجوزٌ بلغت من العمرِ عتيًّا ويعود لغفوتِه.


