في طُرقات ضيّقةً و مُلّتويّةً ، صُخورٌ وأغصانٌ متشابكةٌ، أغاديرٌ
و منحدراتٌ، منخفضاتٌ وجبالٌ شاهقةٌ وكأنّما دخلنَا من بَوابة الزّمن إلى عالم آخر
أو على زمن آخر.
هناك
كانتَ طفلةٌ بعمر الزّهور، تمشي تُفتشُ بين الصّخُور عَن طُفولةٍ مفقودة...يومَ حلمتْ أنّ السّماءَ
تُمطر دُمَى و ألعاب وأنّ كوخَ الجدّة مصنوعٌ من قطع الحلّوى وحبّات الشوكولا... كَلبها يَحوّمُ حولها، ترمُقُ المَارين بنظرات تائهة
لفّتهَا أوشحَةُ الحُزن فتَكادُ لا تَتحركُ إلاّ قليلاً.
اقتربتُ
منها وسألتهَا عن اسمها رفعتْ عينيها ببطء نَحوي و قدّ زيّنتْ ثغرها ابتسامةٌ ورديّةٌ
وأجابتْ مُغمّغمة."فرح"
تسربَ صوّتها إلى أعماقي
كغدير ورود ينسابُ برقّةً، كأنّها غيمةُ ظلّلتْ بقعةَ قلبي و رسمتْ على وَجهي ابتسامةً امتصّت
بِها كُلّ ما فيه مِن حزن و كدَر.
كانتَ
ابتسامتها تُضيء وجهها فغدتْ كقمر يُزيّل بسحره مُرّ العناء ويُمطرُ ثنايا الرّوح
حبًا، كقبس نُور في ليلةً مدلهمةً يشّع دفئًا و ينيرُ أفئدةَ البشَر.
رغم
كلّ الظُروف المُحيطة بها إلاّ أنّ التَفاؤل الهَائجَ في بصرها أعظَمُ من أنّ تُطفئ
ثورتهُ قسوةُ العيش، رغم صُعوبة الأجواءَ وشدّة المُعاناة إلاّ أنّ جذوةَ الأمل
بداخلها أعظمُ من أنّ تُطفئ نارها زَعازعُ الزّمن.
فكيف للعالم أنّ يَنسى وُجودها و يتجَاهل بَريقَ
الطُفولة النّابضَ في مُقلتيها و النجّمتين اللامعتين عاطفًا وحنانًا في عينيها ؟
لستُ
أدري ما يَبعجُ القلب أكثر ...
أهي
حدّة الألم و التحسُّر على طفولة مسلوبة وبحث عن عيش حياة كريمة أمّ شدّة الحُزن على حالنا كبشر لبَشاعة صمتنا و ضَعفنا
تجاه طُفولة تستغيثُ بالأمّة الغافلة.
لست
أدري حقًا... لكني مُتيقنةٌ أنّه من رَحم العتمة يُولدُ بَصيصُ نُور يشّعُ في الأرواح فيغلّفُها
بالسّكينة ويطمئنُها أنّهُ مهما طال البلاءُ لا بدّ أنّ تُفرج.