تتوّغلُ في ذاكرةِ حاسوبك، تفتحُ صورًا قديمةً، فتعود لكَ الذّكريات بكلّ تفاصيلها وتجدُ نفسك أسير تلكَ اللّحظاتِ.
أنت عالقٌ هنا في هذه المدينةِ، تحت سماءٍ غائمةٍ، في صباحٍ ديسمبري باردٍ، تُراقب وجوه المارّة منتظرُا شخصًا ما. عالقٌ في هذا الطّريق، حيثُ الأرصفةُ تضجُّ بأحاديث الغرباءِ، والأزقّة الضيقةُ تستقبلُ إبتسامات العابرين. عالقٌ في ذلك المقعد القديمِ، تحت أشجارِ السّرو الّتي تطوّق الحديقة، مع تلك الأغنيةِ.
أنت عالقٌ في محطاتِ الانتظار الّتي ظننت أنّك لن تُغادرها، في مقاعد الدّراسة الّتي لعنتها في السّاعة ألف مرّة، واليوم هي المقاعدُ الوحيدة الّتي تشتاق الجلوسَ عليها.
أنت عالقٌ في الأماكن الّتي فقدتَ تأشيرةَ الدّخول إليها والأشخاصِ الّذين غادرُوا حياتك، في لحظةِ تخرجك ولحظات تعثّرك، في الأيّام الجميلةِ الّتي ظننت أنها ستدومُ لكنها مضت، في صورةِ عزيزٍ وراه التراب وطواه النسيان.
أنت عالقٌ في تلك اللّحظة، حيث أَطلقت ضحكةً طويلةً من القلبِ، في حوارٍ طويلٍ مع روحٍ تحبّها وتفهمك، في الدّروب الّتي قطعتها ولم تكن تستحقُ عناءَ السّفر والتّعب، في الوجوهِ الضّاحكة داخل الصّورة العابسةِ خارجها، في الابتساماتِ العابرةِ والأحاديثِ الّتي لم تكتمل والحكايا الّتي يُتّمت قبل النّهاية والبدايات الّتي وجدت نفسك فيها دُون أن تدري كُنْهها وما تُخبئه الأيّام.
ماذا لو فقدتَ حاسوبك ؟ هل ستفقد ذاكرتكَ أيضًا؟ هل ستفقد كلّ ذكرياتكَ والتّفاصيل؟
ذكرياتنا اليوم أصبحت مُتّصلة بذاكرةِ حاسوبٍ أو هاتفٍ، أصبحنا بسببها نُهمل ذاكرتنا بشكلٍ غير مقصودٍ، فالهاتف ومايحملهُ من صورٍ عشوائيةٍ أو أُلتقطت بكلِّ دقّةٍ، من مواقفَ مرّرنا بها سيئةً كانت أو جميلةً، وثّقنها باللّحظة والتّاريخ وبعض كلماتٍ على شكلِ NOTE، من وسائل التّواصل الّتي تُعيد لك ذكريات العام الماضي والسّنين المُنصرمة بإشعارٍ يُضيء شاشةَ هاتفك، أعيادُ ميلاد أصدقائك والمقربين وحتّى أفراد عائلتك، ما عُدت تحفظها في ذاكرتكَ ما دام هاتفكَ يتولّى في كلّ مرّة تذكيرك.
ما عُدنا نعتمد على ذاكرتنا الطّبيعية في حفظِ ذكرياتنا، حواسيبنا بمساعدةِ هواتفنا الذّكيّة تتولّى ذلك، هذه الأجهزةُ سرقت أقلامنا وأوراقنا ورسائلنا، وها هي اليوم تسطُو على ذاكرتنا، فماذا بعدُ؟
ً
