بخُطى متثاقلة تتسلّلُ هذه اللّيلة لغرفتي رفقةَ صغارها "الفرح" و"الأمل" ، تُوقظني من كنفِ الذّاكرة، لتبعثرني ثمّ تُلملمني بالأحضانِ والوعودِ، أحدّقُ بها مذهولةً وأبحثُ بلهفةٍ في جُيوبها عن حلم تاهَ مني وأمنياتٍ أنهكها طُول الطّريق، الفرحُ يتعثّر بظنونهِ وخيباته ويحنُّ لقفزاتِ الطفولةِ و الأملُ يسقي روحًا أضناها طولُ الانتظار، وقفت تلتقطُ أنفاسها مشدوهةً بعد أن رتّبت حقائبَ الطّموح ومسحت غُبار الماضي المُتراكم وغسلت أحلامَ الأمسِ، تُمسك يدي بقوّةٍ تهزّها وتقولُ : انظري هناك، في فوهةِ الجدار سردابٌ لابد أن نعبرهُ لنصل إلى النّور!" لم تنتظر إجابة بل شدّت على يدي أكثر ماضيةً بي في دُروب أجهل معالمها وسردابٍ لا أعلم طولهُ ولا نهايتهُ.
العام الخامسُ والعشرين على وشكِ البدءِ ومازال إحساس عدم الانتماءِ يشتّتني، أخدّره بموسيقى تصدحُ علّها تُسكت صوت طفلٍ ينتحِب بداخلي وبعض أفكارٍ صمّاء مبعثرةً في دياجيرِ دفترٍ مُثقل بالأمنياتِ، كلّ ما أنا مُتأكدةٌ منه الآن أن الحياة بالشّعور لا بالامتِلاك، أصبحت متيقنةً أنّي لا أريدُ أن أملك فيها شيءً يمنع عني شعورَ الرضى والسّلام، كل ما أريده أن أستمتع بجمالِ لحظاتها العابرةِ، أن أعيش سحر تفاصيلها حتّى تتغلغلَ بداخلي وتطوّقني بالفرح والدّهشة.
هذا العمرُ الّذي يجبُ أن يكون نقطةَ وقوفٍ، نقطةً تتخلصُ فيها من أوراقِ الماضي المُبعثرة في أدراج الذّاكرة، ترتّب أوراق اليوم بدقّةٍ وتتوقّع أين ستكون أوراقُ المستقبل.
هذا العمر الّذي يجب أن تُعطي فيه لقلبكَ إجازة طويلةً وربما نهائيةٍ ويعمل فيه عقلك دون توقفٍ وبدون مجهودٍ !
العمر الّذي عليهِ أنّ يشّبهَ ﺗﺼﺮﻓﺎتك ، ما تقولُ وما لا تقولُ، شكلك وطريقةَ لباسِك، ما تكتب وما تنشرُ ، ﻋﻼﻗﺎتك في المجّتمعِ وقد يصلُ الأمر إلى مشاعرك !
العمر الّذي يجب أن تتوقفَ فيه عن غباءِ أن تُلدغ من ذات الجحر مرتينِ وأنت تبحثُ عن الأسباب وتُوهم نفسك بأنّك معذورٌ ومغلوبٌ على أمرك.
لكن الزّمن يدورُ بسرعةٍ جنونيةٍ كسرعةِ الريّح في الطّواحينِ، وكلّ ما نجيدهُ هو الأسئلةُ المستعصيةُ والقلقُ العقيمُ و اللّوم المتكّرر، الجميع كانت لهم أحلامٍ تخلوا عنها، الجميع كانت لهم طُموحات لم يصلوا إليها وأهدافًا معلقةً على لوحِ الإنجاز أزالوها دون أن تكونَ قد تمّت، الجميع كان لديهم أمنياتٌ مرتصّةٌ تحت الوسائدِ وأخرى مرفوعةً إلى بريد السّماء، في هذا العمر نحن نحتاجُ أن ننسى الشّعارات الباليةَ والكلام المنمّق، نحتاج أن نتأقلمَ مع المُتاح، ونُعيد صياغةَ الأمنيات، نحتاج أن نفعل لا أن نَحلم، نحتاج أن نتصالح مع قلّةِ حليتنا، أن نكفَّ عن لوم أنفُسنا حين تنفذُ الفرص، فطالما كانت هناك فرصٌ للمحاولةِ، نحن لم نتوقف عن المحاولةِ لكن مادامت الفرصُ قد انعدمت فلماذا لا نكفُّ عن جلدِ ذواتنا وإرهاقِها؟

