وحين يضيق بنا العالمُ بكلّ ما فيه , تبقى الكتابةُ هي المُتنفسُ.

وحين يضيق بنا العالمُ بكلّ ما فيه , تبقى الكتابةُ هي المُتنفسُ.

vendredi 23 février 2018

‏عمرٌ حقيقيٌّ يمضي، وأنت تخشى مُضيّه عبثا

بخُطى متثاقلة تتسلّلُ هذه اللّيلة لغرفتي رفقةَ صغارها "الفرح" و"الأمل" ، تُوقظني من كنفِ الذّاكرة، لتبعثرني ثمّ تُلملمني بالأحضانِ والوعودِ، أحدّقُ بها مذهولةً وأبحثُ بلهفةٍ في جُيوبها عن حلم تاهَ مني وأمنياتٍ أنهكها طُول الطّريق، الفرحُ يتعثّر بظنونهِ وخيباته ويحنُّ لقفزاتِ الطفولةِ و الأملُ يسقي روحًا أضناها طولُ الانتظار، وقفت تلتقطُ أنفاسها مشدوهةً بعد أن رتّبت حقائبَ الطّموح ومسحت غُبار الماضي المُتراكم وغسلت أحلامَ الأمسِ، تُمسك يدي بقوّةٍ تهزّها وتقولُ : انظري هناك، في فوهةِ الجدار سردابٌ لابد أن نعبرهُ لنصل إلى النّور!" لم تنتظر إجابة بل شدّت على يدي أكثر ماضيةً بي في دُروب أجهل معالمها وسردابٍ لا أعلم طولهُ ولا نهايتهُ.

 العام الخامسُ والعشرين على وشكِ البدءِ ومازال إحساس عدم الانتماءِ يشتّتني، أخدّره بموسيقى تصدحُ علّها تُسكت صوت طفلٍ ينتحِب بداخلي وبعض أفكارٍ صمّاء مبعثرةً في دياجيرِ دفترٍ مُثقل بالأمنياتِ، كلّ ما أنا مُتأكدةٌ منه الآن أن الحياة بالشّعور لا بالامتِلاك، أصبحت متيقنةً أنّي لا أريدُ أن أملك فيها شيءً يمنع عني شعورَ الرضى والسّلام، كل ما أريده أن أستمتع بجمالِ لحظاتها العابرةِ، أن أعيش سحر تفاصيلها حتّى تتغلغلَ بداخلي وتطوّقني بالفرح والدّهشة. 

هذا العمرُ الّذي يجبُ أن يكون نقطةَ وقوفٍ، نقطةً تتخلصُ فيها من أوراقِ الماضي المُبعثرة في أدراج الذّاكرة، ترتّب أوراق اليوم بدقّةٍ وتتوقّع أين ستكون أوراقُ المستقبل. 

هذا العمر الّذي يجب أن تُعطي فيه لقلبكَ إجازة طويلةً وربما نهائيةٍ ويعمل فيه عقلك دون توقفٍ وبدون مجهودٍ ! 

العمر الّذي عليهِ أنّ يشّبهَ ﺗﺼﺮﻓﺎتك ، ما تقولُ وما لا تقولُ، شكلك وطريقةَ لباسِك، ما تكتب وما تنشرُ ، ﻋﻼﻗﺎتك في المجّتمعِ وقد يصلُ الأمر إلى مشاعرك !
العمر الّذي يجب أن تتوقفَ فيه عن غباءِ أن تُلدغ من ذات الجحر مرتينِ وأنت تبحثُ عن الأسباب وتُوهم نفسك بأنّك معذورٌ ومغلوبٌ على أمرك.

لكن الزّمن يدورُ بسرعةٍ جنونيةٍ كسرعةِ الريّح في الطّواحينِ، وكلّ ما نجيدهُ هو الأسئلةُ المستعصيةُ والقلقُ العقيمُ و اللّوم المتكّرر، الجميع كانت لهم أحلامٍ تخلوا عنها، الجميع كانت لهم طُموحات لم يصلوا إليها وأهدافًا معلقةً على لوحِ الإنجاز أزالوها دون أن تكونَ قد تمّت،  الجميع كان لديهم أمنياتٌ مرتصّةٌ تحت الوسائدِ وأخرى مرفوعةً إلى بريد السّماء، في هذا العمر نحن نحتاجُ أن ننسى الشّعارات الباليةَ والكلام المنمّق، نحتاج أن نتأقلمَ مع المُتاح، ونُعيد صياغةَ الأمنيات، نحتاج أن نفعل لا أن نَحلم، نحتاج أن نتصالح مع قلّةِ حليتنا، أن نكفَّ عن لوم أنفُسنا حين تنفذُ الفرص، فطالما كانت هناك فرصٌ للمحاولةِ، نحن لم نتوقف عن المحاولةِ لكن مادامت الفرصُ قد انعدمت فلماذا لا نكفُّ عن جلدِ ذواتنا وإرهاقِها؟

lundi 19 février 2018

رحلتي إلى مدن الملح



"وتقوم مدن الملح، ترتفع وتكبر، ولكن إذا جاءها الماء، فش ولا كأنها كانت! " 

انتهت رحلتي في مدن الملح، الرحلة التي عشت فيها حياة أخرى، تهت في "التيه"،  وقعت في الأخدود وابتلعني، في "المنبت" أصابتني الحيرة، غصت في أعماق الصحراء في "تقاسيم الليل والنهار"،  اشتممت رائحة الموتى في السجون وسرت على أنقاض الجثث  في "بادية الظلمات".

هذه الخماسية العظيمة التي كتبها منيف في الثمانينات بعد أن خسر  جنسيته السعوديةسنة 1963، شكلت شاهدا على حقبة تاريخية ورصدا للتحولات التي مرت بها الدول النفطية، جعلتنا ندرك حجم التغير الذي شهده المجتمع الخليجي باكتشاف النفط والبدء في إنتاجه، والتيه الحقيقي الذي عاشه بين قيمه البدوية الأصيلة وقيم التوحش المدني التي جعلته في صورة غاية في الارتباك.
الكلمات والتعابير تعجز عن وصف هذه الرواية العظيمة وكتابتها بدقة تضاهي حجم الدهشة المُصاحبة لي في كل مرة اقرأ منها شيئًا، حتى أنه يصعب جدا أن يكتب المرء لها مراجعة سريعة فالخماسية أكثر من 2000 صفحة، أكثر من 200 شخصية، متخمة بالأحداث، متعددة الأمكنة، مثقلة بالمشاعر.

في الجزء الأول"التيه"، والجزء الثاني "الأخدود" رصد منيف الفترة من 1933 حتى 1964، وفيهما ادهشني وصفه والصور الرمزية التي عبر من خلالها عن العنف الهائل الذي فجرّه التقدم الذي غزا البلاد مع اكتشاف النفط لدى أناس تعودوا على العيش في البيئة الصحراوية.

في "تقاسيم الليل والنهار" يعود بنا منيف إلى جذور العائلة الحاكمة و إلى سنوات التصارع القبائلي التي تتوج خربيط كأهم حاكم في المنطقة في اللحظة التي يقتحم فيها الغرب الصحراء فيجد في تحالفه مع خربيط وسيلة لامتلاك الثروة التي كان يبحث عنها ويستغل السلطان ذلك الظرف للهيمنة على كل ما يمكن أن تطاله يده ويعود هذا الجزء إلى نشأة كل من خزعل وفنر وفي هذا الجزء يسلط الضوء كله على الشخصيات والأفكار والأحاديث التي تتبادلها.

 في "المنبت" وهذا الجزء هو أصغر أجزاء الرواية من حيث الحجم، وتغلب فيه مشاعر الحزن و الآسى، لأنه زاخر بالصدمات، يحكي فيه عن السلطان خزعل بعد سفره إلى ألمانيا ونفيه هناك وإنقلاب أخيه عليه. 
ضعيف مريض منبوذ منفي، ويصف فيه الغربة وتفاصيلها الموجعة.

في الجزء الأخير "بادية الظلمات" ركز منيف على شخصية فنر الأمير الصامت الذي تربى على يد هاملتون العميل الانجليزي، وقد أظهر مدى الظلم الذي تعرض له الشعب ومدى الفساد والنهب الذي يحصل في السلطنة.

أنهى منيف ملحمته على مشهد اغتيال فنر. 
في الجزء الأول بقى طيف متعب الهذال يطوقني وانتظر عودته في كل جزء من الخماسية.
شدتني كثيرا شخصية الشيخة زهوة وعلاقة فنر بهاملتون علاقة تستحق الدراسة والتعمق.
انبهرت جدا بقدرة منيف على وصف الماضي والحاضر والمستقبل، وكثيرا ما وقفت مندهشة أمام وصفه لتصرفات تلك الشعوب وأفكارهم وتعاملاتهم، كأنه يعبر عنا ويصف مجتمعنا ! 

وآخيرا ستظل مدن الملح من أجمل ما قرأت على الإطلاق بل هذه الخماسية المذهلة جعلت منيف في نظري أعظم روائي عربي.

ما زلت سأقرأ لك يا منيف وما زلت سأنبهر أكثر !
#مراجعة_رواية_عربية
#مدن_الملح
#عبد_الرحمان_منيف