وحين يضيق بنا العالمُ بكلّ ما فيه , تبقى الكتابةُ هي المُتنفسُ.

وحين يضيق بنا العالمُ بكلّ ما فيه , تبقى الكتابةُ هي المُتنفسُ.

vendredi 18 mars 2016

حديث النفس

 و أصبحنا في عالمٍ يعشقُ الحزنَ و الأسَى          
أصبحت القلوبُ مقبرةً وهميّةً للألمِ تحُومُ حولها غِربانُ الوجعِ و تهدّدِها بسلبِ فرحتها.
أصبحنا بأرواحٍ معطوبةٍ تتأوهُ تحت أنقاضِ الحياةِ و تتخبّطُ في طُرقاتها كحمامةٍ كسيرةِ الجناحِ ما تكادُ ترّتفعُ حتّى تَخرَّ ساقطةً، كغريقٍ يودُّ لو تنْتشِلهُ السّماءُ أو تبتلعهُ الأرضُ.                                     
أصبحت النّفوس مثقّلةً بالأسى و الخيباتِ فانحَنت و بكتْ كغيمةٍ غاضبةٍ.                                
تصَدّعتِ الأفئدةُ من شدّة الأحزانِ الكاذبةِ و الكآبةِ الزائفةِ  فأستوطنَ الإكتئابُ أرجائها و إتخذها صديقةً وافيةً.       
تَكسّرت الإبتسامات على عتبةِ الأفواهِ فأصبحتْ لا تُجيدُ الفرحَ و لاَ الضّحكَ بقدرِ ما تُجيدُ اجترارَ أحزانها و شرائطِ مآسِيها المُضنِيةِ.
الصباحاتُ شاحِبةٌ غلّفتها أوشحةُ الحزنِ و المساءُ لياليهِ توشّحت الأنينَ و غدَتْ تبتلعُ الأوجاعَ و لا تهضمُها.
كأنّ الحياةَ أصبحت دوامةً تحيطُ بها السّوداويةُ من كلّ جانبٍ تحاولُ جاهدةً أنّ تجذبنَا لداخلها!                       
ألم تُرهقكُم الأحزانُ الزائفةُ ؟                      
ألم تجِفَّ بعدُ أغاديرُ الشّجنِ بداوخلكم؟
أما أكتفيتَ يا قلبُ تقلبًا؟
أما أكتفيتَ تجرعًا للآسى و الكَدر؟                   
أما آنَ لكَ أن تستكينَ ؟                                
و أنتِ يا نفسُ!                                                
أما آن لكِ أنْ تُصلحِي عطبكِ و تَنسي مآسيكِ و تجمعِي شتاتكِ وتبنيهِ؟
إلى متى هذا الألم ؟ إلى متى أنتِ متخمةٌ بالهُموم،  تتوشّحينَ الوجع و تتغذينَ على الحزنِ و تشربينَ من نهر الآسى؟  
أما آن أن نَتوقف عن المأساةِ و الحسرةِ و أن نستعيدَ ما سقطَ منا أثناءَ الإنشغالِ بالأحزان فنحن لن ننالَ شيءً بكلّ هذهِ الكآبةِ؛ غير أنّنا سنخسرُ فحسبْ !

فلنَقمْ!


رغمَ أن رحلتهَا كانتْ طويلةً شائكةً وطريقُها لم يكنْ مفروشًا بالزّهورِ كما رسمتهُ أناملُ طفولةٍ برئيةٍ، كانَ طريقًا يعجُّ بالمطبّاتِ و مفخّخًا بالإبتلاءاتِ٬ يلاحقهَا فيهِ الألمُ بأطيافهِ السّوداءِ والخذلانُ بِأشباحهِ المفزعةِ ..إلاّ أنّها كانتْ تُقاومُ لآخِر رمقٍ..
تُناضلُ و تُجاهدُ وتقدِّمُ التضحيةً تِلو الأُخرى ...تَبتلِعُ الآه و تشهقُ الأخرى و مع كلِّ سُقوطٍ تهتفُ لنفسهَا :" نعلَم أنّ الطّريقَ طويلٌ و الدّروبَ وعرةٌ و الجبَالَ شاهقةٌ و المبتغَى بعيدٌ ... لكن لنْ نضعفَ، لنْ ننكسرَ، لنْ نسمحَ للهمِّ و الكدرِ أن يستوطنَا جدران القلبِ، لن ندعَ اليأسَ يدبُّ في ثنايا الرُّوح ..سنجعَل من الضّعفِ نقطةً تنبثقُ منها القوّةُ و اليقينُ و التّوكلُ... لنا شيءٌ في طيّاتِ الحياةِ، لنا حلمٌ سماويٌّ، لنا رسالةٌ ربانيةٌ سيقْتَاتُ منها أحدهُم... فلنَقمْ!"