و أصبحنا في عالمٍ يعشقُ الحزنَ و الأسَى
أصبحت القلوبُ مقبرةً وهميّةً للألمِ تحُومُ حولها غِربانُ الوجعِ و تهدّدِها بسلبِ فرحتها.
أصبحنا بأرواحٍ معطوبةٍ تتأوهُ تحت أنقاضِ الحياةِ و تتخبّطُ في طُرقاتها كحمامةٍ كسيرةِ الجناحِ ما تكادُ ترّتفعُ حتّى تَخرَّ ساقطةً، كغريقٍ يودُّ لو تنْتشِلهُ السّماءُ أو تبتلعهُ الأرضُ.
أصبحت النّفوس مثقّلةً بالأسى و الخيباتِ فانحَنت و بكتْ كغيمةٍ غاضبةٍ.
تصَدّعتِ الأفئدةُ من شدّة الأحزانِ الكاذبةِ و الكآبةِ الزائفةِ فأستوطنَ الإكتئابُ أرجائها و إتخذها صديقةً وافيةً.
تَكسّرت الإبتسامات على عتبةِ الأفواهِ فأصبحتْ لا تُجيدُ الفرحَ و لاَ الضّحكَ بقدرِ ما تُجيدُ اجترارَ أحزانها و شرائطِ مآسِيها المُضنِيةِ.
الصباحاتُ شاحِبةٌ غلّفتها أوشحةُ الحزنِ و المساءُ لياليهِ توشّحت الأنينَ و غدَتْ تبتلعُ الأوجاعَ و لا تهضمُها.
كأنّ الحياةَ أصبحت دوامةً تحيطُ بها السّوداويةُ من كلّ جانبٍ تحاولُ جاهدةً أنّ تجذبنَا لداخلها!
ألم تُرهقكُم الأحزانُ الزائفةُ ؟
ألم تجِفَّ بعدُ أغاديرُ الشّجنِ بداوخلكم؟
أما أكتفيتَ يا قلبُ تقلبًا؟
أما أكتفيتَ تجرعًا للآسى و الكَدر؟
أما آنَ لكَ أن تستكينَ ؟
و أنتِ يا نفسُ!
أما آن لكِ أنْ تُصلحِي عطبكِ و تَنسي مآسيكِ و تجمعِي شتاتكِ وتبنيهِ؟
إلى متى هذا الألم ؟ إلى متى أنتِ متخمةٌ بالهُموم، تتوشّحينَ الوجع و تتغذينَ على الحزنِ و تشربينَ من نهر الآسى؟
أما آن أن نَتوقف عن المأساةِ و الحسرةِ و أن نستعيدَ ما سقطَ منا أثناءَ الإنشغالِ بالأحزان فنحن لن ننالَ شيءً بكلّ هذهِ الكآبةِ؛ غير أنّنا سنخسرُ فحسبْ !

